إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ: ثَنَا يَزِيد , قَالَ: ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله: {لَا يَمَسّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} ذَاكُمْ عِنْد رَبّ الْعَالَمِينَ , فَأَمَّا عِنْدكُمْ فَيَمَسّهُ الْمُشْرِك النَّجِس , وَالْمُنَافِق الرَّجِس، حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ: ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله: {لَا يَمَسّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} قَالَ لَا يَمَسّهُ عِنْد اللَّه إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ , فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَمَسّهُ الْمَجُوسِيّ النَّجِس , وَالْمُنَافِق الرِّجْس، وَقَالَ فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود مَا يَمَسّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل مِنْ ذَلِكَ عِنْدنَا , أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , أَخْبَرَ أَنْ لَا يَمَسّ الْكِتَاب الْمَكْنُون إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ فَعَمَّ بِخَبَرِهِ الْمُطَهَّرِينَ , وَلَمْ يُخَصِّص بَعْضًا دُون بَعْض ; فَالْمَلَائِكَة مِنْ الْمُطَهَّرِينَ , وَالرُّسُل وَالْأَنْبِيَاء مِنْ الْمُطَهَّرِينَ وَكُلّ مَنْ كَانَ مُطَهَّرًا مِنْ الذُّنُوب , فَهُوَ مِمَّنْ اُسْتُثْنِيَ , وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: {إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} ، وقال القرطبي في تفسيره: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى لَا يَمَسّهُ هَلْ هُوَ حَقِيقَة فِي الْمَسّ بِالْجَارِحَةِ أَوْ مَعْنًى؟ وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي الْمُطَهَّرُونَ مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ أَنَس وَسَعِيد وَابْن جُبَيْر: لَا يَمَسّ ذَلِكَ الْكِتَاب إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ مِنْ الذُّنُوب وَهُمْ الْمَلَائِكَة، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَابْن زَيْد: إِنَّهُمْ الَّذِينَ طُهِّرُوا مِنْ الذُّنُوب كَالرُّسُلِ مِنْ الْمَلَائِكَة وَالرُّسُل مِنْ بَنِي آدَم , فَجِبْرِيل النَّازِل بِهِ مُطَهَّر , وَالرُّسُل الَّذِينَ يَجِيئهُمْ بِذَلِكَ مُطَهَّرُونَ، الْكَلْبِيّ: هُمْ السَّفَرَة الْكِرَام الْبَرَرَة، وَهَذَا كُلّه قَوْل وَاحِد , وَهُوَ نَحْو مَا اِخْتَارَهُ مَالِك حَيْثُ قَالَ: أَحْسَن مَا سَمِعْت فِي قَوْله لَا يَمَسّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْآيَة الَّتِي فِي (عَبَسَ وَتَوَلَّى) ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُف مُكَرَّمَة، مَرْفُوعَة مُطَهَّرَة، بِأَيْدِي سَفَرَة، كِرَام بَرَرَة) يُرِيد أَنَّ الْمُطَهَّرِينَ هُمْ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ وُصِفُوا بِالطَّهَارَةِ فِي سُورَة عَبَسَ، وَقِيلَ: مَعْنَى لَا يَمَسّهُ لَا يَنْزِل بِهِ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ أَيْ الرُّسُل مِنْ الْمَلَائِكَة عَلَى الرُّسُل مِنْ الْأَنْبِيَاء، وَقِيلَ: لَا يَمَسّ اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي هُوَ الْكِتَاب الْمَكْنُون إِلَّا الْمَلَائِكَة الْمُطَهَّرُونَ، وَقِيلَ: إِنَّ إِسْرَافِيل هُوَ الْمُوَكَّل بِذَلِكَ , حَكَاهُ الْقُشَيْرِيّ، اِبْن الْعَرَبِيّ: وَهَذَا بَاطِل لِأَنَّ الْمَلَائِكَة لَا تَنَالهُ فِي وَقْت وَلَا تَصِل إِلَيْهِ بِحَالٍ , وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ ذَلِكَ لَمَا كَانَ لِلِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ مَجَال، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ الَّذِي بِأَيْدِي الْمَلَائِكَة فِي الصُّحُف فَهُوَ قَوْل مُحْتَمَل , وَهُوَ اِخْتِيَار مَالِك، وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالْكِتَابِ الْمُصْحَف الَّذِي بِأَيْدِينَا , وَهُوَ الْأَظْهَر، وَقَدْ رَوَى مَالِك وَغَيْره أَنَّ فِي كِتَاب عَمْرو بْن حَزْم الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُسْخَته: (مِنْ مُحَمَّد النَّبِيّ إِلَى شُرَحْبِيل بْن عَبْد كُلَال وَالْحَارِث بْن عَبْد كُلَال وَنُعَيْم بْن عَبْد كُلَال قِيلَ ذِي رُعَيْن وَمَعَافِر وَهَمْدَان أَمَّا بَعْد) وَكَانَ فِي كِتَابه: أَلَّا يَمَسّ الْقُرْآن إِلَّا طَاهِر. وَقَالَ اِبْن عُمَر: قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَمَسّ الْقُرْآن إِلَّا وَأَنْت طَاهِر) ، وَقَالَتْ أُخْت عُمَر لِعُمَر عِنْد إِسْلَامه وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهَا وَدَعَا بِالصَّحِيفَةِ: لَا يَمَسّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ فَقَامَ وَاغْتَسَلَ وَأَسْلَمَ، وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّل سُورَة (طَه) وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَالَ قَتَادَة وَغَيْره: لَا يَمَسّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ مِنْ الْأَحْدَاث وَالْأَنْجَاس، الْكَلْبِيّ: مِنْ الشِّرْك، الرَّبِيع بْن أَنَس: مِنْ الذُّنُوب وَالْخَطَايَا، وَقِيلَ: مَعْنَى لَا يَمَسّهُ لَا يَقْرَؤُهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ إِلَّا الْمُوَحِّدُونَ , قَالَهُ مُحَمَّد بْن فُضَيْل وَعَبْدَة، قَالَ عِكْرِمَة: كَانَ اِبْن عَبَّاس يَنْهَى أَنْ يُمَكَّن أَحَد مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ قِرَاءَة الْقُرْآن وَقَالَ الْفَرَّاء: لَا يَجِد طَعْمه وَنَفْعه وَبَرَكَته إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ , أَيْ الْمُؤْمِنُونَ بِالْقُرْآنِ، اِبْن الْعَرَبِيّ: وَهُوَ اِخْتِيَار الْبُخَارِيّ , قَالَ النَّبِيّ