مستمر منذ أن فتح المسلمون بلاد الشام، ولم يدّعِ أيٌّ من الجيوش الإسلامية التي قاتلت الروم أنه هو جيش آخر الزمان الذي ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث.
إن هذا الجيش الذي أثنى عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يجاهد ليتحقَّق فيه هذا الثناء ويصدق عليه هذا الحديث، وإنما يجاهد طاعة لله وقيامًا بفريضة الجهاد لا سعيًا إلى منقبة ولا بحثًا عن منزلة ..
والإمام مالك حينما طلب العلم وهو صغير لم يطلبه ليتحقق فيه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يكاد الناس يضربون أكباد الإبل فلا يجدون أعلم من إمام المدينة) ..
ومحمد الفاتح حين غزا قسطنطينية وحررها لم يكن مراده السعي إلى هذه المنقبة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (فنِعم الأمير أمير ذلك الجيش) ..
إن هذه الصورة الأسطورية جعلت من تنظيم الدولة أمام أتباعه صنمًا كبيرًا يحجب أنظارهم عن رؤية الواقع، ويضطرهم إلى إنكار الحقائق الشرعية والحسية ..
وحين تسقط هذه الصورة المصطنعة، وتتلاشى القوة المزعومة، وينتهي الفيلم، ويتحطم الصنم، سيدرك طلاب النصر الذين لم يركضوا خلف تنظيم الدولة إلا لِما توهَّموا من قوته أنهم كانوا يركضون خلف السراب ..
وأن عنتريَّاته لم تكن سوى ضربات زُنبور يتخبَّط بلا هدف على زجاج نافذة مغلقة!
وسيُدرك المخدوعون الذين ولَّوا ظهورهم للمجاهدين وركضوا خلف شعارات تنظيم الدولة أن حالهم هو كما قال الشاعر:
سفِهْنَا باتِّباعِ بني بغيض ... وترك الأقربين لنا انتسابا ...
سفاهةَ فارطٍ لمّا تروَّى ... هراقَ الماءَ واتَّبَعَ السَّرابا
لقد كانت قريش تقاتل النبي -صلى الله عليه وسلم- حميَّة لأصنامها، وكانت هذه الأصنام تعني الشيء الكثير بالنسبة لها ..
فلما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة وحطَّم الأصنام أمام أعينهم، وهو يقول: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} ، لم يجدوا بُدَّا من الدخول في الإسلام لأن الحجاب الذي كان يمنعهم من رؤية الإسلام سقط وانتهى ..
قال الحسن البصري:"إن الفتنة إذا أقبلت عرفها العالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل" [1] .
وقال جرير:
(1) (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) ، (9/ 24) .