فهرس الكتاب
وعكس لنا اضطرابهم في تصنيف (إذ ما) أن مفهوم الحرفية والإسمية كان غائما، ورغم أن قضية كهذه على جانب كبير من الخطورة لا نجد في النحوتوفرًا على دراستها دراسة وافية. والمشكلة انبثقت من التقسيم القاصر للكلام، حيث قسم الكلام بنظرة شديدة التعميم إلى أقسامه الثلاثة المشهورة: الفعل، والإسم، والحرف، واتخت هذه الأقسام الثلاثة تعريفات غير علمية وغير دقيقة. ومن ينظر فيما أورده أحمد بن فارس في كتابه الصاحبي من تعريفات للإسم والفعل والحرف ينسبها إلى النحاة ويورد معها ما ينقضها [1] ، يدرك مدى التخبط الذي حدث في توزيع الكلمات العربية، والسبب في ذلك أن الكلمات قد أخذت تصنيفها في أذهانه قبل أن يحاولوا وضع معايير تضبط ذلك، خاصة أنهم كانوا ضيقوا على أنفسهم في هذه القسمة، وما يقوم في الذهن هو الذي يكون له الغلبة، مثال ذلك ما ننقله من الصاحبي: (الاسم ما صلح أن يكون فاعلا، قال: وذاك ان سيبويه قال: ألا ترى أنك لوقلت: إنّ يضرب يأتينا وأشباه ذلك لم يكن كلاما كما تقول: إنَّ ضاربك يأتينا. قال فدل هذا على أن الاسم عنده ما صلح له الفعل. قال: وعارضه بعض أصحابه في هذا بأن كيف وعند وحيث وأين أسماء، وهي لا تصلح أن تكون فاعله [2] .
نلاحظ من هذا النص أن اسمية كيف والأدوات التي معها قائمة في الذهن، ولم يدعهم المعيار المطروح إلى مراجعة تصنيفها، وهذا يعنى أن الظاهرة اللغوية المدروسة متى كانت غير متجانسة عسر العثور لها على وصف شامل.
وهذا لا يعني أن المعيار المطروح كاف وحده من أجل تصنيف الاسم، بل إن الاقتصار على معيار واحد فقط لابد أن يخل بدقة التصنيف. فمن أجل تصنيف كلمة لابد أن ندرك كل صفاتها، وقد تتفق كلمتان أو أكثر في صفة أو أكثر ولكن يبقى في النهاية ما يقطع باختلافهما، ومن هذه المواصفات التي يمكن أن ترصد بناء الكلمة، المعاني الصرفية وظيفتها في التركيب. وللباحثين المحدثين جهود مشكورة في هذا المجال من أمثال تمام حسان [3] .
ونخلص من هذا كله إلى أن تقسيم الأدوات ذلك التقسيم الصيرفي قد بنى على أساس غير سليم، وأنه غير ذي جدوى، بل إنه قاد الدرس النحوي إلى مناقشات لا فائدة فيها ولا حاجة إليها، ذلك أن اعتبار بعض هذه الأدوات أسماءً استتبع أحيانا دراسة بنائها، إعرابها.
ومن المهم القول إنه يجب أن تعطى الوظيفة التي تشغلها الكلمة في التركيب نصيبا كبيرا في تصنيف الكلمة، وإذا جاز في مثل هذا التركيب: (جاء يزيد) أن أصنف (يزيد) في الأعلام، لأن الوظيفة التي يشغلها في الجملة هي وظيفة اسم لا فعل، ولا يغيب عنا أن هذا هو فعل نقل إلى خانة الأعلام، ومثل هذا النقل يجري في
(1) أحمد بن فارس الصاحبي 82 وما بعدها.
(2) أحمد بن فارس الصاحبي 83.
(3) انظر كتابه ن اللغة العربية معناها ومبناها.