وكذلك إذا قلت: الَّذي يَأتِيني، وأنت تريد واحدًا بعينه قد عهده المتكلم لم يجز أن تدخل
الفاء في خبره فتقول: الَّذي يَأتِيني فَلَهُ دِرْهَم. كما لا يجوز أن تقول: الرَّجُلُ فَلَهُ دِرْهَم) [1] .
ويأتي الموصول أداة شرط ولكنه لا يجزم وتعليل ذلك عند الجرجاني (أنه لم يوضع على الجزاء في الأصل وإنما سرى ذلك فيه بما تضمنه من الشياع) [2] .
إذن يمكننا اعتباره أداة شرط غير جازمة. ومثل الموصول في ذلك أيضًا ما يطلق عليه في النحوالعربي (النكرة الموصوفة) يقول الجرجاني: (وكذا تقول: كُلُّ رَجُلٍ أَتَانِي فَلَهُ دِرْهَم، فيكون جزاء في المعنى، ولا يجوز: كُلُّ رَجُلٍ يَأَتَنِي فَلَهُ دِرْهَم، بالجزم لأنه لم يوضع على معنى حرف الجزاء كما وضع مَنْ وما ومتى وأين وما أشبه ذلك. وليس لأحد أن يقول: كيف لم يبنوا كل ظرف على معنى حرف الجزاء، كما لا يجوز أن يقال كيف لم يصوغوا الذي على معنى الاستفهام كما صاغوا مَنْ وما) [3] .
وإن يكن لنا تعليق فهو أنَّ هذه التعليلات لا فائدة فيها، ويكفي أن نقبل الواقع الوصفي وهو عدم الجزم، أما العلة فأحسب أنها غير ذات قيمة، لأن الجزم وعدم الجزم أمر غير معلل ولسنا نجد وراءها سببًا حقيقيًا، فهذه أدوات الشرط بعضها يجزم وبعضها لا يجزم، وكذلك أدوات النفي بعضها يجزم وبعضها لا يجزم. وعلينا أن نعرف الملابسات التي يكون فيها الفعل مجزوما، ومن هذه الملابسات أن يلي بعض الأدوات.
ودلالة العموم التي في (ما) وغيرها من الموصولات لا سبيل إلى معرفتها إلا من السياق نفسه، ولكن فهم السياق قد يتعدد في بعض الأحيان، ونضرب على ذلك مثالات من القرآن الكريم. قال تعالى: (مَا أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سِيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِك) [النساء 79] فالأخفش يعتبر (ما) بمعنى الذي، وغيره يعتبرها شرطية، ويؤيد النحاس قول الأخفش مستندَين في ذلك إلى شاهد من خارج النص، وهو مناسبة الآية، والمناسبة هي أنها نزلت في شيءٍ بعينه من الجدب [4] .
ولكن المتأمل في الآية يرى أنها جملة شرطية صريحة ولا تعارض بين الآية ومناسبة النزول، فتكون الآية تنزل في شكل جملة شرطية إنما لتضع قانونا عاما ليس لحادثة النزول وحدهما وإنما لكل الحوادث والدليل على عموم (ما) هو استخدامه (من) وهي قرينة بينت بجرها (حسنة) أنها مستغرقة للحسنات كلها.
وقد فصّل الفراء القول على هذه القرينة [5] .
(1) الجرجاني، المقتصد 265.
(2) الجرجاني، المقتصد 1062.
(3) الجرجاني، المقتصد 1062 - 1063.
(4) النحاس، إعراب القرآن 235.
(5) الفراء، معنى القرآن 2: 103 - 104.