فهرس الكتاب
أما حذف العبارة الشرطية في بعض التراكيب، كالأمر والاستفهام والتمني والعرض وما ذكرناه غيرها فإنا نُرجيء التعليق عليه إلى موضعه في دراستها إنْ شاء الله.
نأتي إلى ما قاله النحاس من حذف المصدر المؤوّل من جملة الشرط في الآية (إنْ يَشَأ يُذْهِبْكم) [فاطر 16] فهو يقدر أن ثمة مصدرا محذوفا هو (أنْ يُذْهِبَكُم) وقال بأن كثير الاستخدام عند العرب. ونحن نلاحظ أن الحذف له علاقة شديدة بنوع الفعل المستخدم وهو (يشاء) فهذا الفعل وأفعال أخرى يكون لها استخدامان أحدهما استخدامها لازمة، والآخر استخدامها متعدية، وتستخدم لازمة حينما لا يراد تحديد المفعول به ومثل ذلك أن تقول: (إنْ يأكُلْ زَيْد نَأكُلْ) فليس مُهِمًّا ما يأكله زيد، وإنَّما المهم شروعه في الأكل، ولكن في حالة التعدية مثل: (إنْ يَأكلْ زَيْد خُبزًا نَأكُلْ) لا يلزمنا أن نأكل تفاحًا أو لحمًا إذا ما عمد إلى ذلك.
ننتهي من هذا إلى أن الفعل (يشاءُ) في الآية جاءَ لازما وليس محذوف المفعول به، والمراد مطلق المشيئة دون ارتباط بشيءً محدد [1] .
نأتي بعد هذا إلى الحذف الذي يجري في العبارة الجوابية. وقد رأينا أنهم أرجعوه إلى حالتين رئيسيتين: الأُولى كون (الجواب) معروفا، والثانية وجود كلام يتضمن معنى الجواب وهو ما يسد مسده أو ما يدل عليه. وقد مثلوا للحالة الأُولى بحذف جواب (إنْ) أو جواب (لو) ، وفي مثل هذه الحالة يمكن أن يُؤتى بالجواب ولكنه حُذف عمدًا لغرض بلاغي يفهم من السياق، أما الحالة الثانية وهي حينما يكون ثمة دليل أو ما يسد مسد الجواب، فإنها تشمل حالات مختلفة والحذف إلزامي فيها، فلا يمكن أن يؤتى به مع وجود ما يسد مسد الجواب. وكان يمكن الاستغناء عن القول بالحذف لولا اعتقاد النحاة أن الأداة لا تأتي إلاَّ في الجملة الشرطية الجزائية، بمعنى أنهم لا يستسيغون ورود عبارة شرطية بدون عبارة جوابية. وقالوا بالحذف من أجل المحافظة على الرتبة في الجملة الشرطية. وإذا نظرنا إلى الحالات التي يقال بأنها محذوفة لدليل أو لوجود ما يسد مسد الجواب نجد أنها تبرير للقواعد النحوية وليس حذفا لغويا حقيقيا، فالأداة - إذا توسطت - يكون لدينا عبارة شرطية لا تتبعها عبارة جوابية فلابد من اعتبار ما قبلها جوابا وهذا غير وارد لديهم لأن (الجواب) لا يقدم على (الشرط) لأنه تابع له ومسبب عنه، ولأنه لوكان جوابا لصلح دخول الفاء عليه، هذه هي حججهم، وهناك اعتبار آخر وهو أن العبارة الشرطية ترد أحيانا بدون عبارة جوابية وهذا أمر لم يعرفوه، فليس في عرفهم إلا (شرط) له (جواب) وإذن فلا مفر من اعتبار الجواب محذوفا وبهذا يسلم للجملة الشرطية لديهم تركيبها النظري.
ولكن كيف نستغنى عن القول بالحذف؟ وقبل الإجابة على ذلك نريد أن نقول إن المهم هو معرفة التركيب ومعرفة أهناك حذف أم لا، ثم الغرض من ذلك. وبعد فإنا إذا نظرنا إلى مثل هذا التركيب نجد العبارة
(1) يفهم من هذا الكلام أن اللزوم هوعدم وجود مفعول للفعل في الجملة والتعدي وجود مفعول سواء وقع عليه في الفعل مباشرة أووقع عليه بوساطة حرف جر، وهذا مخالف للمفهوم السائد وهوأن اللزوم هوعدم وقوع الفعل مباشرة على المفعول وإنما بوساطة حرف جر، وأن التعدي وقوعه مباشرة عليه.