فهرس الكتاب
الكتابة. ولا شك أن بين اللغة الفنية المتمثلة في الشعر وفي النصوص الفنية النثرية كالقرآن وغير القرآن وبين اللغة العلمية من الفروق ما توجبه وظيفة كل منهما.
وآخر أحوال الحذف هو ما يقال من حذف جملتي الشرط والجواب، ويتضح من الأمثلة التي ضربها النحاة أننا أساسا لسنا أمام جملة شرطية فالمثال (زره وإن) يمثل ما عبر عنه الزركشي بالجملة الشرطية التي تأتي بعد (واو الحال) وقد سبق أن درست في الصفحات السابقة، ومعنى هذا أننا أمام عبارة شرطية فالتركيب مكون من (جملة + و+ عبارة شرطية) ولكن هذه العبارة الشرطية ليست كاملة فقد حذف منها جملة الشرط، وفي بقاء الأداة ما يكفي للحصول على الدلالة المطلوبة، والمعنى (زره رغم ذلك) ، وتأتي هذه الحالة من الحذف في حالة (الحوار) على نحوما مثل الأنباري نثرًا أو على نحوما جاءَ شعرا في قول رؤبة ابن العجاج:
قَالَت سُلَيْمَى لَيْتَ لِي بَعْلاَ يَمُنّ
يَغْسِلُ جِلْدِي وَيُنْسِنِي الحَزَن
وَحَاجَةً ما إنْ لَها عِنْدِي ثَمَن
مَيْسُورَةً قَضَاؤُها مِنْهُ ومِن
قالت بنات العم: يا سلمى وإنْ
كَانَ فَقِيرًا مُعْدِمًا قَالَتْ وإنْ [1]
نحن أما حوار بين سليمي وبنات عمها، ولم يأت الحذف في البيت الأخير إلا لتقدم ما يسوغه في البيات قبله فالمحذوف أمر معلوم، وحذفه إنما يعبر عن صدق فني في نقل الحوار الدائر، ولو حاولنا أن نعيد هذا المحذوف لكان الآتي:
قالت بنات العم: أتتزوجينه وإنْ كان فقيرًا مُعْدِما؟!
قالت: نعم. أتزوجه وإنْ كان فقيرا مُعْدما.
إذن فقد حذفت من جملة بنات العم الجملة كلها وأُبقى على العبارة الشرطية مسبوقة بـ (الواو الرغمية) ، وحذف من جملة سليمى الجملة كلها وجملة الشرط ولم يبق سوى (واو الرغم) والأداة الشرطية (إنْ) ، ولا نريد الخوض في تفصيلات فنية هي من اختصاص دراسي الأُسلوب والنقد الأدبي، ولكن نلاحظ أن الإتيان بباقي مكونات الجملة لا يعطي جديدًا فكلها معروف، أمَّا الإبقاء على (وإن) فهو يعطينا الهيكل العام للجملة فنعرف أن ثمة كلاما قبلها وكلاما بعدها، ومن الناحية الفن ية فإن الاقتصار على (وإن) فيه تركيز للرغبة، فكأن الحالة النفسية التي وصلت إليها سليمى في هذا الحوار الممتد متمثلة في هذه الكلمة (وإن) فهي قد وصلت إلى حالة من التعب ورفض التفصيلات فقد أفضت بكل شيء، فتظهر هذه الـ (وإن) كالتنهيدة التي لا تعبر عن تجاهل الفقر
(1) انظر خزانة الأدب للبغدادي 3: 630.