فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 272

عن الفعل، ومن هنا جاءَت (الواو) لتدفع على الفعل رغم وجود هذا القيد أو الشرط، ونسطيع أن نعبر عن معنى التركيب الآتي: أعْطِ الفَقِيرَ دِرْهمًا رَغْمَ شَتَيمتهِ لَك، أما اعتبارهم الواو حالية وجعل المعنى: أعْطِ الفَقِيرَ دِرْهمًا شاتِمًا لك فهو اعتبار وفهم بعيد عن روح التركيب. ونسطيع أن نطلق على هذه الواو (واو الرغم) (أو) الواو الرغمية. أما وصفها بالاعتراضية فلا يبين معناها.

وآخر الحالات التي يقال إنها حالة حذف للعبارة الجوابية هي التي قال بها ابن هشام وذلك حينما لا يكون (الجواب) مسببا عن (الشرط) والسبب الذي جعله يقدر جوابا آخر غير (الجواب) المذكور هو أنه عامل القرآن معاملة الكلام العادي، والقرآن نص على درجة رفيعة من الفنية، و (الجواب) المذكور ليس هو (الجواب) المباشر على العبارة الشرطية، وهو يمثل انصرافا عن (الجواب) المباشر إلى (الجواب) غير المباشر ولا يرجع هذا إلى الحذف وإنما إلى غرض فني ودلالي يفهم من السياق أما الجمل الشرطية فهي كاملة ففيها العبارتان: الشرطية، و (الجوابية) ومن أجل إيضاح الأمر نقول إنَّ (الشرط) قد يجاب بأكثر من (جواب) : (الجواب) المباشر و (الجواب) غير المباشر، وهو (الجواب) الذي يكون له علاقة شديدة بالجواب المباشر: فقد يكون متضمنا له، أو يكون مقتضيا له، أو لازما له. مثال ذلك: (وإنْ تَجْهَرْ بالْقَوْلِ فَإنَّه يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفَى) [طه 7] يقدر ابن هشام (الجواب) بقوله (أي فاعلم أنه غني عن جهرك) [1] ثم يتبع ذلك بالجواب المذكور (فإنه يعلم السر) ، أما نحن فنفهم أنه لم يأت بالجواب المباشر، وإنما بجواب آخر يفهم منه ذلك (الجواب) المباشر، و (الجواب) غير المباشر ليس المراد منه بيان غنى الله عن الجهر فقط وإنما بيان قدرته وعظمته.

وننتهي إلى أنه لا يبقى لنا من صور حذف العبارة الجوابية غير صورة واحدة، وهي الصورة التي ذكرها الفراء، وهي حينما يحذف (الجواب) لأنه معروف، ونحن لا نقف عند القول بأنه معروف وإنما حذف لأغراض بلاغية متعددة لا يمكن معرفتها إلا في سياقات مختلفة المهم في الأمر أن (الجواب) حذف لا لوجود ما يدل عليه أو ما ينوب عنه وإنما حذف لأن حذفه أمر اقتضاه المعنى المراد بيانه وإيصاله.

ونصل بعد هذا إلى ما قد يتعرض أجزاء العبارة الجوابية من حذف، فقد تحذف الفاء وقد سبق أن درست [2] . وقد يحذف المبتدأ من الجملة الاسمية إذا جاءت في العبارة الجوابية، وهذا أمر لا غبار عليه، أما الحذف الطويل الذي ذكره ابن الشجري في بيت أبي دؤاد الإيادي، فهو يشير إلى أن هذا المستوى من الاستخدام الشعري له خصائصه كما أن لكل شاعر لغته الخاصة، ومهما يكن من أمر فإن الحذف في الشعر كثير، وربما يعطي الحذف الشعر قيما تصويرية لا يعطيها الذكر، ولكن ينبغي أن تبقى ملاحظاتنا على الشعر مقصورة على لغة الشعر. دون أن نجعل من مادة الأشعار ميدانا لاستقراء القواعد اللغوية التي نطبقها على لغة الكلام أو لغة

(1) ابن هشام، مغني اللبيب 2: 722.

(2) انظر ص 294.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت