جزائية، أي على جملة مركبة من عبارتين متكاملتين إحداهما شرطية والثانية جوابية. أما
التركيب الممثل لقول يونس - وهو: (أ إنْ تأتِني آتيك) (1) على اعتبار أنَّ أصل التركيب (أ آتيك إنْ تأتني) - فيعبر عن دخول همزة الاستفهام على جملة خبرية مقيدة بشرط وهو (إنْ تأتِني) ، والرفق بين التركيبين أن الشرط في مثال سيبويه ركن في الجملة بينما هو في مثال يونس ليس بركن، لأن مثال يونس ليس بجملة شرطية جزائية.
والذي أردنا الإشارة إليه هو إهمال الناحية الدلالية على أهميتها في بحثهم لهذه القضية.
ولعلهم لو بحثوا القضية على النحوالدلالي الذي بيناه لتبين لهم أن الرجلين يتحدثان عن قضيتين مختلفتين، ولكن ذلك أمر يرفضه البصريون، لأنه ليس لديهم إلا نمط واحد يرد فيه الشرط وهو النمط الشرطي الجزائي، ففي الجمل التي تتوسط فيها أداة الشرط يقدرون أن الجواب محذوف.
والذي نخلص إليه أن الهمزة قد تدخل على جملة شرطية جزائية فلا تحدث في حركة أفعالها شيئا، وقد تدخل على جملة خبرية مقيدة، كما تدخل على أنواع كثيرة من الجمل، وليس لها أي أثر في حركات وحدات تلك الجمل.
وعلى هذا لا يمكن القول إنَّ الهمزة تدخل على الجملة الشرطية فيكون فعل الجواب على حالة مجزوما، على رأي، ومرفوعا على رأي آخر، هذا القول لا يستقيم لأنه لا يمكن التعبير بتركيبين مختلفين عن معنى واحد وذلك لأن المبنى والمعنى لا انفصام بينهما. واختلاف التركيب يقتضي اختلاف المعنى.
وبهذا لايكون في الآية (أَفإِنْ مِتَّ فَهُم الخالِدُون) [الأنبياء 34] حجة لأنه لا خلاف في أن هذه الجملة التالية للهمزة جملة شرطية. ولكن هذا لا يعني أن الهمزة لا تدخل على جملة خبرية مقيدة بشرط. وقد توهم ابن الأنباري أن الآية تقدر قياسا قول يونس على النحوالتالي: أفهم الخالدون فإن مت. وقال إنَّ ذلك مستحيل [1] . والمستحيل في نظرنا هو أن يقدر يونس هذا التقدير، ولوقدر ليونس أن يركب الجملة على التركيب الذي يمثله قوله لقال:
أفهم الخالدون إن مِتَّ؟
وإذا كان الأمر كذلك فما هو وجه القبح الذي ذكره سيبويه؟
وللإجابة على ذلك نقول: إنّ وجه القبح هو وجود أداة الشرط وفعل الشرط المجزوم وهذا يقتضي وجود فعل جواب مجزوم، ولكن الفعل الموجود مرفوع ولذلك يخرج على التقديم.
وأمر آخر يمكن ملاحظته على دراسة النحاة لهذه القضية وهو عدم الاحتكام إلى الاستخدام اللغوي، فلم نجدهم استدلوا على أقوالهم بشواهد يمكن أن نفهم منها ما يذهبون إليه، خاصة قول يونس، فهل تستخدم اللغة ذلك التركيب الذي ذكره يونس وهو:
(1) الأنباري، البيان 2: 161.