من النور والعلم، وأسس الحياة الصحيحة هناك ... كان مذهب مالك أدخله فيها زياد بن عبد الرحمن القرطبي الملقب"بشيطون"وهذا في حكم هشام بن عبد الرحمن سنة 171 هـ 180 هـ )) [1] .
3_ المرونة: فعلى الرغم من ثبات النصوص التشريعية في الأحكام الجنائية إلا أن كثيرًا من أحكامها المستخلصة من النصوص الشرعية تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال، والضرورة والحاجة ...
قال الماوردي _وغيره_ رحمه الله تعالى: للقاضي أن يجتهد برأيه في قضائه ولا يلزمه أن يقلد في النوازل والأحكام مذهبه، فإذا كان شافعيًا لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقاويل الشافعي حتى يؤديه اجتهاده إليها [2] ، فإن أداه اجتهاده إلى الأخذ بقول أبي حنيفة عمل عليه وأخذ به ... وإذا نفذ قضاؤه بحكم وتجدد مثله من بعد أعاد الاجتهاد فيه، وقضى بما أداه اجتهاده إليه وإن خالف ما تقدم من حكمه، فقد قضى عمر بن الخطاب في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وإخوتها لأمها وإخوتها لأبيها وأمها، فأشرك عمر رضي الله عنه بين الإخوة للأم والإخوة للأب والأم في الثلث، فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا؟
فقال عمر رضي الله عنه: تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا; فأخذ أمير المؤمنين في كلا الاجتهادين بما ظهر له أنه الحق، ولم يمنعه القضاء الأول من الرجوع إلى الثاني، ولم ينقض الأول بالثاني، فجرى أئمة الإسلام بعده على هذين الأصلين [3] .
ومن القواعد المقرَّرَة في هذا العلم، والتي تمثل عوامل السَّعَةِ والمرونة في هذه الشريعة، وتَكْفُلُ وفاءها بمختلِف الحاجات المتجدِّدَة - ما ذكره أهل العلم من:
-أدِلَّة التشريع فيما لا نصَّ فيه؛ كالاستحسان، والاستصحاب والعُرف ونحوِهِ.
-ورعاية الضَّرورات والأعذار والظروف الاستثنائية، إلى غير ذلك من قواعد الرُّشْد والحَيَوِيَّة في هذه الشريعة الخالدة، على أن يتِمَّ ذلك في إطارٍ مُنْضَبِط منَ الاجتهاد الشرعيِّ المُعْتَبَر، وليس بإطلاق العِنان للأهواء، والاسترسال مع دعوات التغريب تحت شِعار التقدُّم والتجديد والاستِنارة؛ حتَّى لا يُستباح حَرَمُ الشريعة أمام كل دَعِيٍّ جَهول!
(1) المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية المدنية والتشريع الإسلامي مقارنة بين فقه القانون الفرنسي ومذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه 1/ 18.
(2) ما لم يقيده ولي أمر المسلمين بمذهب أو قانون فعندها يجب الالتزام بما قيده به.
(3) االأحكام السلطانية للماوردي ص 87، إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية 1/ 86، وانظر الأثر في مصنف عبد الرزاق ج 10/ص 249، رقم 19005.