الدليل الثاني: استقراء آيات الأحكام وأحاديثها الجنائية يدل على أن الشريعة قد طبقت هذا المبدأ، ومن ذلك:
قول الله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلًا} [النساء آية 22] فالله تعالى قد حرم نكاح زوجة الأب بعد أن كان ذلك جائزًا، فأصبح لهذا النوع من النكاح وجهين:
أحدهما: جنائي، والثاني مدني؛ فمن الناحية الجنائية أصبح نكاح زوجة الأب جريمة، ومن الناحية المدنية ظل النكاح عقدا من العقود، وقد عدت الشريعة الإسلامية نكاح زوجة الأب جريمة، لكنها لم تجعل للنص أثرا رجعيا، فلم يطبق حكم النص إلا على الوقائع التي وقعت بعد نزوله والعلم به، ولكن ترتب على نزول النص التفريق بين الأزواج الذين سبق لهم أن تزوجوا هذه الزيجات المحرمة، فكان للنص أثر رجعي من الناحية المدنية امتد إلى وقت انعقاد العقد، ولم يكن للنص أثر رجعي من الناحية الجنائية، فلم يعاقب أحد ممن فسخت زيجاتهم.
ومثل ما سبق: ما ذكره الله تعالى في تحريمه الجمع بين الأختين في عصمة واحدة، واستثنى من ذلك ما تم قبل تقرير هذا التحريم، فقال تعالى: {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء:22] .
وشبيه بهذا التحريم ما رواه ابن حبان في صحيحه في تحريم الزيادة على أربع نسوة في الزواج، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: أسلم غيلان الثقفي وعنده عشر نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أمسك أربعًا وفارق سائرهن ) ) [1] .
ثانيًا: الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم رجعية التشريع الجنائي وموقف الشريعة منها:
مما سبق تبين لنا أن القاعدة الشرعية العامة في التشريع الجنائي تقضي بأن هذا التشريع ليس له أثر رجعي، وهذا أمر متفق عليه بين الشريعة والقوانين، لكن وجدت بعض الاستثناءات في القوانين الوضعية، لا تندرج تحت الأصل العام السابق، وقد عمد بعض المحدثين إلى استقراء الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية في التشريع الجنائي فثبت لديه أن الشريعة الإسلامية قد سبقت القوانين الوضعية في العدالة في مبدأ عدم الرجعية، ووجد أن هذا المبدأ ينطبق على معظم الأحكام إلا في مواطن معينة ومنها استثناءان:
(1) صحيح ابن حبان ج 9/ص 465، ذكر الخبر المدحض قول من زعم ان هذا الخبر حدث به معمر بالبصرة، رقم 4157.