الاستثناء الأول: الرجعية في الجرائم الخطيرة التي تمس الأمن العام أو النظام العام:
ذهب بعض المحدَثين إلى أنه يجوز استثناء أن يكون للتشريع الجنائي أثر رجعي في حالة الجرائم الخطيرة على الأفراد أو على جماعة الأمة، ومثالها جرائم القذف والظهار والحرابة.
واستدل من ذهب بهذا الاتجاه بعدة أدلة من أهمها:
1_ الآيات والأحاديث في قضية الحرابة، قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة:33] .
وروى البخاري رحمه الله تعالى وغيره عن أَنَسٍ رضي الله عنه قال: قَدِمَ على النبي صلى الله عليه وسلم نَفَرٌ من عُكْلٍ فَأَسْلَمُوا فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا من أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا فَصَحُّوا فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ فَبَعَثَ في آثَارِهِمْ، فأتى بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ لم يَحْسِمْهُمْ حتى مَاتُوا.
وفي سنن أبي داود عن أبي الزِّنَادِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَطَّعَ الَّذِينَ سَرَقُوا لِقَاحَهُ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ بِالنَّارِ، عَاتَبَهُ الله تَعَالَى في ذلك فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {إنما جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأرض فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا ... الآيَةَ} [1] .
ووجه الاستدلال بهذه الآية على الاستثناء السابق أنها نزلت في عقاب العرنيين على ما هو الراجح من أقوال العلماء، وبهذا تكون الآية قد نزلت بعقوبة فعل سابق عليها، ومن ثم يكون للآية أثر رجعي، إذ لا شك أن المصلحة العامة هي التي اقتضت أن يكون للنص أثر رجعي، فقد كان لحادث العرنيين فظيعًا، يوشك لو لم يؤخذ أصحابه بعقوبة رادعة أن يجرئ الظالمون على المسلمين، وعلى النظام الجديد، وأن يشجع على قطع الطرق وزعزعة الأمن، فكان لابد من عقاب رادع يقتضي أن يجعل للنص أثر رجعي، فجعل له هذا الأثر لحفظ جماعة المسلمين وأمنهم [2] .
ويرد على هذا الاستدلال بهذه الآية والحديث على الرجعية في الجرائم الخطيرة، بأن تطبيق العقوبة من النبي صلى الله عليه وسلم قد حدث قبل نزول الآية، ولم ينتظر نزول القرآن فيهم، فحتى يثبت هذا الاستثناء يلزم أن تحدث الجريمة ثم تنزل الآيات ثم تقام العقوبة بأثر رجعي، فتطبيق العقوبة ثم نزول القرآن
(1) صحيح البخاري ج 6/ص 2495، كتاب الْمُحَارِبِينَ من أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ ... ، رقم 6417، سنن أبي داود ج 4/ص 131، باب ما جاء في المحاربة، رقم 4370، فتح الباري ج 12/ص 110.
(2) التشريع الجنائي لعبد القادر عودة 1/ 268.