الكريم في هذه القضية كأنه صار من باب التأييد للرسول صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد حكم في القضية ونفذ الحكم، فلم يعد هناك أثر رجعي عليها، والله أعلم.
2_ وأقوى ما يستدل به لجواز الرجعية في التشريع الجنائي بآية الظهار، وعلى أنها طبقت على واقعة سابقة، وقد كان الظهار في الجاهلية وفي أول الإسلام طلاقا، أي أنه كان تصرفا يترتب عليه فسخ عقد النكاح وإنهائه، ولم يكن يعد جريمة، فقد أخرج أبوداود عن خُوَيْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بن ثَعْلَبَةَ قالت: ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أَوْسُ بن الصَّامِتِ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَشْكُو إليه وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُجَادِلُنِي فيه وَيَقُولُ: اتَّقِي اللَّهَ فإنه ابن عَمِّكِ فما بَرِحْتُ حتى نَزَلَ الْقُرْآنُ، {قد سمع الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا} إلى الْفَرْضِ، فقال: يُعْتِقُ رَقَبَةً.
قالت: لا يَجِدُ.
قال: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. قالت: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنه شَيْخٌ كَبِيرٌ ما بِهِ من صِيَامٍ.
قال: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
قالت: ما عِنْدَهُ من شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ.
قالت: فأتى سَاعَتَئِذٍ بِعَرَقٍ من تَمْرٍ قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ.
قال: قد أَحْسَنْتِ، اذْهَبِي فَأَطْعِمِي بها عنه سِتِّينَ مِسْكِينًا وَارْجِعِي إلى ابن عَمِّكِ )) [1] .
ووجه الدلالة من الحديث أن عقوبة الظهار قد طبقت على أوس بن الصامت عن واقعة حدثت قبل نزول النص، فمعنى ذلك أن آية الظهار لها أثر رجعي [2] .
قلت: إن الاستدلال بآية الظهار وحديث أوس بن الصامت فيه نظر؛ لأن الظهار وإن عد جريمة على حد تعبيرهم، إلا أنه لا يدخل في باب الجنايات، إذ ليس فيه اعتداء على النفس أو على ما دونها، لكن يمكن أن يقال إن آية الظهار فيها دلالة على جواز الرجعية في باب القضاء جميعه، ومنه القضايا الجنائية، والله أعلم.
والنتيجة أن الأفعال المحرمة لا تعتبر جريمة في الشريعة بتحريمها إلا بعد تقرير عقوبة عليها، وأن وجود النص المحرّم للفعل المعاقب عليه لا يكفي بذاته للعقاب على كل فعل وقع في أي وقت وفي أي مكان ومن أي شخص، وإنما يشترط للعقاب على الفعل المجرّم أن يكون النص الذي جرّمه نافذ المفعول
(1) سنن أبي داود ج 2/ص 266، باب الظهار رقم 2214، صحيح ابن حبان ج 10/ص 107، باب الظهار، ذكر وصف الحكم للمظاهر من امرأته وما يلزمه عند ذلك من الكفارة، رقم 4279.
(2) التشريع الجنائي لعبد القادر عودة 1/ 270.