اللسان العربي؛ فإن لسان العرب من جهة فهم كلامهم، إنما يعتبر بالسياقات، ليس بآحاد الكلمات، ولهذا قال ابن مالك:
كلامنا لفظ مفيد
فلا بد أن يكون مركبًا إما من فعل وفاعل، أو مما تحصل به الإفادة. فمثلًا: أن قوله تعالى: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ? وَأَكِيدُ كَيْدًا) (الطارق/15 - 16) ، وقوله تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ) (الأنفال/30) ، مثل هذا السياق فيه تقييد؛ لأن الله لم يذكر المكر أو الكيد صفة له على الإطلاق، بل يعرف بالعقل والشرع أن ذكر المكر أو الكيد صفة لمعين على الإطلاق هو ذم وليس مدحًا. ولله المثل الأعلى، لو قيل عن عالم ما: وكان، حافظًا، ثقةً، مفسرًا، فقيهًا، ماكرًا، لما تأتى ذلك، ولكان القول بأنه ماكر قدح وليس مدحًا. فالذي أوجب ذكر هذه القاعدة: أن هذه الصفات، إذا فكت عن سياق التقييد الذي وردت فيه لم تكن مدحًا على التحقيق. ولهذا يجب أن يلتزم في هذه الصفات بالسياق القرآني، فما ذكره الله مطلقًا أثبت له على الإطلاق كصفة العلم. ويقال: ومن صفاته: العلم، ومن صفاته: القدرة والرحمة، والعزة، والحكمة ... إلى غير ذلك. وأما الصفات التي لم تذكر إلا مقيدة بوجه: كالمكر، والكيد، وأمثال ذلك، فهذا يستعمل على وجه ذكره في القرآن.
ولهذا لا يصح أن يقال: ومن صفاته المكر على الإطلاق؛ لأن الله لم يذكر المكر صفة له إلا مقيدة، والمكر على الإطلاق ليس صفة مدح) [1] .
وقال الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى: (وأما صفة الكمال بقيد، فهذه لا يوصف الله بها على الإطلاق إلا مقيدًا، مثل: المكر، والخداع، والاستهزاء ... وما أشبه ذلك، فهذه الصفات كمال بقيد، إذا كانت في مقابلة من يفعلون ذلك، فهي كمال، وإن ذكرت مطلقة، فلا تصح بالنسبة لله عز وجل، ولهذا لا يصح إطلاق وصفه بالماكر أو المستهزئ أو الخادع، بل تقيد فنقول: ماكر بالماكرين، مستهزئ بالمنافقين، خادع للمنافقين، كائد للكافرين، فتقيدها لأنها لم تأت إلا مقيدة.) [2]
(1) شرح لمعة الاعتقاد/ لفضيلة الشيخ يوسف الغفيص - دروس صوتية، المكتبة الشاملة، الإصدار 3.48.
(2) شرح العقيدة الواسطية/ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى 1421 هـ) ، تحقيق سعد فواز الصميل، الناشر دار ابن الجوزي، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الخامسة، 1419 هـ، ص 143. وانظر غير مأمور: بدائع الفوائد/ للعلامة ابن القيم الجوزية، 1 / ص 284.