الصفحة 15 من 37

وأما العبادة، فقد جعلها الله تعالى غاية الوجود الإنساني فقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، فهي ليست محصورة في الشعائر التعبدية التي هي أركان الإسلام، بل إنها تشمل جميع جوانب الحياة البشرية إذا ما التزم فيها المسلم بما شرع الله تعالى، فهي - كما يقول ابن تيمية رحمة الله: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الخير والبر والطاعة، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فالصلاة والزكاة والحج، والدعاء وتلاوة القرآن الكريم، والجهاد والعمل الحلال، وطلب العلم والذكر والدعاء .. ) [1] إلخ، كل هذه الجوانب أبواب وفصول من كتاب العبادة الكبير، التي خلقنا الله تعالى لأجلها [2] ، وأنها غاية الخضوع لأمره، وغاية محبته، فمن أطاعه، ولم يحبه، لا يكون عابدًا له، ومن أحبّه، ولم يخضع له، لا يكون عبادًا له. فلا بد لهذه الطاعة الطوعية من معرفة يقينية تسبقها، كما أنه لا بد لهذه الطاعة الطوعية من سعادة حقيقة تفضي إليها، تلك السعادة التي خُلق الإنسان من أجلها [3] .

العبادة هي الأداء الوحيد لتربية الضمير، أو هي السبب الوحيد لمكارم الأخلاق الأصلية التي تنبع من المصالح، ولا تتأثر بها، فالله جل جلاله أصل الخير والحق والجمال، والإنسان من خلال عبادته، واتصاله بربه، يشتق من مكارم الأخلاق، وما يتناسب مع حجم استقامته، وعمله الصالح وإخلاصه وصدقه، فأشد البشر اتصالًا بربه أعلاهم خلقًا ومنزلةً {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92 - 93] .

صورة تفصيلية للشخصية المؤمنة:

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 - 11] .

انظر كيف جعل الله أول أوصاف المؤمنين، الخشوع في الصلاة وآخر أوصافهم المحافظة عليها، وصفهم بفعل الزكاة، وهي عبادة مع الفضائل الخلقية الأخرى، وإعراضهم عن اللغو، عفتهم، حفظهم للأمانة، رعايتهم للعهد.

(1) ... العبودية بتقديم الشيخ عبد الرحمن الباني, ص 38.

(2) ... ضيمرية, عثمان جمعه, أثر العقيدة الإسلامية في اختفاء الجريمة, دار الأندلس الخضراء, ط 1, 1421 هـ - 2000 م, ص 48.

(3) ... النابلسي, تأملات في الإسلام, مرجع سابق, ص 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت