وبيَّن مقتضياتها ومستلزماتها في كثير من النصوص، قال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] ، وقال: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه [1] .
لقد أوضح المصطفى عليه الصلاة والسلام بثاقب نظرته التربوية، التي استقاها من تأديب ربه له، أنه لا يستل سخائم الحقد من الصدور، ولا ينتزع أدران التنافس والحسد من النفوس، إلا أخوة صادقة تسود حياة المسلمين، وتعم المجتمع المسلم على أساس من المحبة والتواد، والتناصح والألفة والبشر [2] ، وينتفي عنها الكيد والغل، ويزول الحسد والتباغض.
إن المسجد أهم وسيلة تعمق الصلات بين متعاطي المخدرات، وتفتح قلوبهم للمحبة والتلاقي على الخير، وتغرس بذور المحبة في النفوس، وتتعاهدها بالرعاية على مدار اليوم والليلة، فإذا صفت النفوس، وتآلفت القلوب، وعاش الجميع في أمن وسلام، ومحبة ووئام.
يؤدي المسجد دورًا مهمًا في تهذيب النفوس، وتنقيتها من شوائب الحقد والضغينة، المؤدية إلى التشتت والافتراق، والمثيرة للنزاع والانقسام والشقاق، إذ يغرس في نفوس الأفراد السلوك الصحيح لتنمية الشعور بأن الجميع أسرة واحدة، تجمعهم رابطة الإسلام، وتضمهم وشيجة الإيمان، وذلك من خلال المساواة التي هي من أبر القيم التي أصلّها الإسلام في النفوس، والمنبثقة من وحدة الأصل الإنساني.
فحين تنطلق من مآذن المسجد كلمة التوحيد مدوية في كل اتجاه، يستجيب المؤمنون لنداء الحق، ويلبون دعوة خالق الخلق {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] . فإذا تكاملت أعدادهم، والتأمت جموعهم، أعلن المؤذن إقامة الصلاة، فانتظمت جموع المصلين صفوفًا متراصة خلف إمامهم، لا يمتاز شخص على آخر، بل تذوب كل الفوارق، وتزول جميع الحواجز، يضمهم الصف متجاورين، مهما تباينت أحوالهم المادية. ومستوياتهم الثقافية، وحالاتهم الاجتماعية، لا يجد أحدهم غضاضةً أن يقف بجانب أخيه، المأمور بجانب الأمير، والغني إلى جوار الفقير، والأبيض ملاصق للأسود، والتاجر مجاور للعامل، والمثقف مساوٍ للأمي، وجميعهم في صف واحد، لا تفاضل في مواقفهم، ولا تمايز في أفعالهم، لا يتقدم واحد
(1) ... رواه البخاري (2442) , ومسلم (2580) , والترمذي (1426) واللفظ له.
(2) ... أبحاث الندوة العالمية للشباب الإسلامي (الإسلام والحضارة) 1/ 62 - 63.