الصفحة 21 من 37

والنص هنا الحديث هو أن الاجتماع في بيت من بيوت الله والاجتماع مشروط بتلاوة كتاب الله، وتدارسه هو الشرط الثاني. ولا ريب أن قمة العلم الواجب فهم القرآن ومعرفة أسراره وأحكامه التي تهم المسلم في دينه ودنياه. فهو مركز هداية وإشعاع وإصلاح، ومحضن تربية وتثقيف وتوجيه.

نوَّه القرآن الكريم بالمسجد وخطورته، والمثوبة الكبرى للمشتغلين بعمارته، فقال عَزَّ وجل: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} [النور: 36 - 37] .

وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحبُّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» .

الحكمة هي أن المسجد بوتقة لا بد منها، لتنصهر فيها النفوس، وتتجرد من علائق الدنيا، وفوارق الرُّتب والمناصب، وحواجز الكِبر والأنانيات، وسكرة الشهوات والأهواء، ثم للتلاقي في ساحة العبودية الصادقة لله عز وجل بصدق وإخلاص، فالمسجد هو المكان الوحيد الذي يصهر النفوس هذا الصهر ويحولها هذا التحويل، ثم يطبعها بطابع العبودية لمولاها عز وجل.

وعندئذ يكون لحقائق الإيمان بالله عز وجل وُجودٌ ملموس يهيمن على صاحبه بالقيادة والتوجيه، فلا تكون عبارة عن قائمة محفوظات مركونة في زاوية من العقل والفكر، بعيدًا عن قيادة العواطف والوجدان والشعور.

ولا بد أن تلقى أحكام الشريعة الإسلامية عندئذ، بما فيها من واجبات ومحرمات وآداب، من المسلم الذي رباه المسجد هذه التربية، صدى تجاوبٍ وإذعان، فيشعر بمعاني الأخوة الإسلامية قائمة راسخة بينه وبين سائر المسلمين على اختلاف منازلهم ورتبهم الدنيوية، ويجد نفسه مندفعًا إلى وضع مقتضيات هذه الأخوة موضع التنفيذ، فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، ويغلق عن نفسه نوافذ الغش والخديعة لسائر عباد الله، منساقًا بكل رغبة وطواعية للالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية دون حاجة من رقيب ودون ملاحقة من ذي سطوة أو سلطان.

إن ركعة واحدة يؤديها المسلمون في بين من بيوت الله، جنبًا إلى جنب، تغرس في نفوسهم من حقائق المساواة الإنسانية وموجبات الود والأخوة، ما لا تفعله عشراتٌ من الكتب التي تدعو إلى المساواة وتتحدث عن فسلفة الإنسان المثالي.

بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إقامة المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة بعمارة المسجد، معلنًا بذلك أنه الركن الأول والدعامة الأولى لقيام المجتمع الإسلامي، حتى إذا تمت عمارة المسجد وأقبل المسلمون إليه، شد رسول الله صلى الله عليه وسلم قلوب المسلمين في ظله، إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت