ومن الأدلة على هذه القاعدة قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ .... } [النساء:140] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"تغيير المنكر يكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة باليد، فأما القلب فيجب بكل حال، إذ لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن" [1] .
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:"إن معنى الآية على ظاهرها، وهو أن الرجل إذا سمع آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فجلس عند الكافرين المستهزئين من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم لأن ذلك يتضمن الرضى بالكفر، والرضى بالكفر كفر. وبهذه الآية ونحوها استدل العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادعى أنه يكره ذلك بقلبه لم يقبل منه، لأن الحكم على الظاهر وهو قد أظهر الكفر فيكون كافرًا [2] ."
فالرضى مقرُّه القلب وهو أمر باطن لا سبيل لنا إلى معرفته والحكم عليه إلا من خلال قرائن لفظية وعملية ظاهرة على الجوارح تدل عليه، فمن أتى بشيء منها كان دالًا على حقيقة باطنه وما وقَّر في القلب، وأعظمه الإقرار والاعتراف والتصريح!
وكذا الجلوس في مجالس الكفر والاستهزاء بالدين. الآية السابقة قال القرطبي في التفسير:"لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضى بالكفر كفر ...."الخ [3] .
والاستهزاء بالدين وهو على سبيل المثال الخوض واللعب واللامبالاة والاستهتار.
قال أبو بكر بن العربي:"فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة" [4] .
10 -التوقف في عدم تكفير المعين - حتى تتوفر الشروط وتنتفي الموانع - الآتي بيانها إن شاء الله في الفصلين: الأول واثاني. وإنما يكون ذلك فيمن ثبت إسلامه بيقينٍ أو جُهِل حاله، وأما من ثبت كفره فلا يتوقف فيه.
(1) مجموع الفتاوى (28/ 226) .
(2) تيسير العزيز الحميد ص 353.
(3) الجامع لأحكام القرآن= للقرطبي (5/ 418) .
(4) أحكام القرآن= لابن العربي (8/ 197) .