الصفحة 20 من 57

"ليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يَزُلْ ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة."

فصل: وأما تكفير قائل هذا القول فهو مبني على أصل لا بد من التنبيه عليه، فإنه بسبب عدم ضبطه اضطربت الأمة اضطرابًا كثيرًا في تكفير أهل البدع والأهواء، كما اضطربوا قديمًا وحديثًا في سلب الإيمان عن أهل الفجور والكبائر.

صار كثير من أهل البدع مثل الخوارج والروافض والقدرية والجهمية والممثلة يعتقدون اعتقادًا هو ضلال يرونه هو الحق، ويرون كفر من خالفهم في ذلك، فيصير منهم شَوبٌ قوي من أهل الكتاب في كفرهم بالحق وظلمهم للخلق، ولعل أكثر هؤلاء المكفرين يكفِّر ب"المقالة"التي لا تفهم حقيقتها ولا تعرف حجتها.

وبإزاء هؤلاء المكفرين بالباطل أقوام لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد لا يبينونه للناس بل يكتمونه، ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة، ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم، بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذمًا مطلقًا لا يفرقون فيه بين ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وما يقوله أهل البدع والفرقة، أو يقرون الجميع على مناهجهم المختلفة، كما يقرّ العلماء في مواضع الاجتهاد التي يسوغ فيها النزاع، وهذه الطريقة قد تغلب على كثير من المرجئة وبعض المتفقهة والمتصوفة والمتفلسفة، كما تغلب الأولى على كثير من أهل الأهواء والكلام، وكلتا هاتين الطريقتين منحرفة خارجة عن الكتاب والسنة"."

والمقصود أن المبتدعة، على تنوع مشاربهم وتباين أصولهم ومناهجهم، يروج عندهم تكفير مخالفيهم عند أدنى مخالفة، في حين يتحرج أهل السنة والجماعة من تكفير المخالف حرجا شديدًا، لأن التكفير حكم شرعي، وهو حق لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهو خطير في الآثم دنيا وعاقبة، ولذا فهم لا يؤاخذون بلوازم الأقوال في التكفير حتى يكون الكفر صريحًا لا لبس فيه، كما لا يعولون في التكفير على الظنون والأوهام والأهواء، وإنما المعول عليه عنهم الأمر البواح الذي لهم فيه من الله سلطان وحجة ظاهرة وبرهان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت