الصفحة 6 من 57

ولما كان التكفير من أخطر الأحكام وأعظمها، حيث يترتب عليه من الآثار الخطيرة، كإباحة دم المسلم وماله، وتطليق زوجته، وقطع التوارث بينه وبين أقربائه، وتحريم دفنه مع المسلمين وقبل ذلك تحريم غسله والصلاة عليه، والدعاء له، وما إلى ذلك من أحكام تلحق المرتد. جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله" [1] ، وقد جاءت الأحكام الشرعية بالتحذير من التسرع في إطلاق الكفر على المسلم، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"أيما رجل قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما" [2] .

قال الشوكاني رحمه الله:"اعلم أن الحكم على المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان واضح أوضح من شمس النهار .."ا هـ [3] .

ولما كانت مسألة التكفير ليست بالأمر الهين، احتاط الشرع في إطلاقها احتياطًا شديدًا فأوجب التثبت، حتى لا يتهم مسلم بكفر، وحتى لا تستباح أموال الناس وأعراضهم بمجرد الظن والهوى، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء:94] فحذرهم من التسرع في التكفير، وأمرهم بالتثبت في حق من ظهرت منه علامات الإسلام في موطن ليس أهله بمسلمين.

ومما يدل على احتياط الشرع في التكفير، إيجابه التحقق من وجود شروط التكفير وانتفاء موانعه، فلا يجوز تكفير معين إلا بعد التحقق من ذلك تحققًا أكيدًا بعيدا عن التعصب والهوى، وأناط حكم ذلك وإنفاذه بالعلماء والقضاة الحاكمين بالشريعة.

هذا طرف مهم من أهمية موضوع الكفر والإيمان، والتبصر فيهما وتعلم مسائلهما وإدراك ذلك إدراكًا جيدًا، مع الحذر الشديد من الانزلاق في مهاوي التكفير والتبديع والتفسيق، أو

(1) رواه البخاري (6105) .

(2) صحيح البخاري (6103) ، وصحيح مسلم (60) .

(3) فتح القدير 2/ 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت