الصفحة 19 من 56

والشيخ ناصر من هذا الصنف القليل، فقد كان - رحمه الله - عصاميًا، اعتمد بعد الله تعالى على نفسه، وكان يواصل الليل مع النهار، رغم فقره وحاجته إلى العمل، وهذا مما يتحدث عنه فيما ذكره عن سيرة حياته، والصعوبات التي واجهته في مرحلة طلب العلم حتى أنه ما كان يجد ثمن الورق الذي يكتب عليه، ولم تكن هناك مدرسة شرعية أو دار نشر تتبناه وتقدم له التسهيلات اللازمة.

2 -نأى بنفسه عن مجالس الحكام وملأهم، وابتعد عن الوظائف الدينية العامة فلم ينافس أحدًا عليها، وما كان يتكسب من علمه. وهذه المواقف كانت سببًا مهمًا في متاعب لحقت به، وهو - رحمه الله - بهذه الصفات النبيلة يعيد لنا سيرة علماء السلف الذين كانوا يرفضون الوظائف العامة كما كانوا يرفضون التكسب من العلم:

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في الصدور لعظما

ولكن أهانوه فهان وشوهوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما

ولم أقض حق العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيرته لي سلما

وكان - رحمه الله - صاحب مواقف لا يبالي في الصدع بها، ولهذا فقد سجن في سورية بسبب حقد الخرافيين عليه، ولما لهم من حظوة عند النظام، وأُخرج من السعودية عندما كان مدرسًا بالجامعة الإسلامية رغم حرص نائب رئيس الجامعة - حينذاك - الشيخ عبد العزيز بن باز عليه وعلى بقائه في عمله، وتعاقدت معه جامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة - جامعة أم القرى الآن -، ولكن الجهات العليا رفضت الموافقة على هذا العقد، ومن جهة أخرى فقد اضطر إلى مغادرة أهله وذويه في دمشق، والتجأ إلى الأردن، وهذه الهجرة الثانية في حياته، أما الهجرة الأولى فقد كانت من بلده - ألبانيا - إلى دمشق وهو طفل مع أبيه وعائلته، وفي الأردن كان يجد صعوبات من رجال الأمن أجبرته على مغادرة عمان ثم عاد إليها بعد وساطة أحد طلابه .. وهذه الابتلاءات كانت ثمنًا للمواقف التي يقفها، وكل أمر عزيز لابد وأن يكون بثمن.

3 -كان الشيخ ظاهرة فريدة من نوعها - في هذا العصر - في واسع اطلاعه على الحديث النبوي ومعرفة صحيحه من ضعيفه، وفي الاستفادة منه في حواراته الدائمة مع العلماء والدعاة. زارني عندما كنت مدرسًا في المعهد العلمي بالأحساء، وكان معه الأستاذ زهير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت