الصفحة 27 من 56

فنذكر بعض الأمثلة ـ وهي لا تزال موجودة في كتبنا تدرس في كل المدارس الشرعية والكليات وما شابه ذلك ـ: في أحد المذاهب الإسلامية أنّ المصلي إذا دخل في الصلاة يسدل يديه ولا يقبض. لماذا؟! هكذا المذهب! بينما جهد كل علماء الحديث بأن يأتوا بحديث واحد ولو ضعيف ـ بل ولو موضوع ـ على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان لا يقبض بيده اليمنى على اليسرى إذا وقف يصلي، هذا لا وجود له، فهل هذا هو الإسلام؟ أنا أعرف أن البعض سيقول: إن هذا من المسائل الفرعية، وقد يتساهل بعضهم في التعبير فيقول: هذا من التوافه. وأنا أعتقد أن كل شيء جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما له علاقة بالدين والعبادة؛ فليس من توافه الأمور.

نحن نعتقد أن كل ما جاء به الرسول - عليه الصلاة والسلام - يجب أن نتبناه دينًا أولًا؛ مع وزنه بأدلة الشريعة؛ إن كان فرضًا ففرض؛ وإن كان سنة فسنة، أما أن نسميه أمرًا تافهًا أو قشورًا؛ لأنه مستحب! فهذا ليس من الأدب الإسلامي في شيء إطلاقًا؛ لاسيما وأن اللب لا يمكن أن نحافظ عليه إلا بالمحافظة على القشر، أقول هذا لو أردت أن أجادلهم باللفظ.

هذا المثال البسيط ـ وهو السدل في الصلاة ـ؛ لماذا يستمر المسلمون على العمل به، والأحاديث تترى في كل كتب السنة على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يقبض؟! ليس هناك إلا التقليد والجمود على مخالفة الأئمة في قولهم: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) .

قد لا يرضى هذا المثال البسيط بعض الناس، فنذكر مثالًا آخر، وهو: أن بعض كتب فقه المذاهب ما زالت تذكر بأن الخمر قسمان: قسم مستنبط من العنب؛ فهذا قليله وكثيره حرام، وقسم آخر مستنبط من غير العنب: من الشعير، أو من الذرة، أو من التمر، أو غير ذلك مما تفنن اليوم الكفار في استنباط الخمر منه، فهذا النوع من الخمر ليس كله حرامًا؛ وإنما الذي يسكر منه فقط فهو حرام! لماذا لا يزال هذا القول مسطورًا؟! وقد يدافع عنه بعض الناس بألوان من الدفاع! لا لشيء؛ إلا أن إمامًا من أئمة المسلمين اجتهد فقال هذا القول! مع أننا جميعًا ـ على اختلاف مذاهبنا ومشاربنا ـ نقرأ في كتب السنة وبالأسانيد الصحيحة قوله - عليه الصلاة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت