الصفحة 47 من 56

والآيتان تلتقيان في ذم التعدد الحزبي والتعدد الطرقي، ويبين ربنا - عز وجل - في كل منهما بصراحة أن الطريقة الموصلة إلى الله - عز وجل - إنما هو طريق واحد.

ولقد زاد النبي -صلى الله عليه وسلم- كغالب عادته مع كثير من آيات ربه، فزاد بيانًا تلك الآيتان بمثل قوله -صلى الله عليه وسلم- وقد كان جالسًا بين أصحابه جلسته الدالة على تواضعه، كان جالسًا على الأرض فخط عليها خطًا مستقيمًا وخط حول هذا الخط المستقيم خطوطًا قصيرة، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] ، ثم قال وهو يمر أصبعه الشريفة على الخط المستقيم: «هذا صراط الله وهذه طرق على رأس كل طريق منها شيطان يدعوا الناس إليه» .

أما الحديث الآخر وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة و ستفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا من هي يا رسول الله؟ قال هي الجماعة» وفي رواية أخرى «ما أنا عليه وأصحابي» . [1]

وهذا الحديث يؤكد أن النجاة لا تكون بالتفرق والتحزب إلى أحزاب وشيع وطرق شتى وإنما بالانتماء إلى طريق واحدة وبسلوك طريق واحدة ألا وهو طريق محمد -صلى الله عليه وسلم-.

لا يبقى بعد ذلك إلا حزب واحد أثنى عليه الله - عز وجل - في القرآن: {وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة:56] والذي يرغب أن يكون في هذا الحزب الذي كتب له الفلاح في الدنيا والآخرة، فلا يمكن أن يحقق ذلك في نفسه إلا إذا عرف علامة هذه الحزب ونظامه ومنهجه». [2]

(1) (الترمذي: د. ت، 5/ 26)

(2) (الألباني: سلسلة الهدى والنور) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت