ينطبق - في الحقيقة - على القصة القصيرة جدًا من ناحية الحجم الذي قد يتجاوز أحيانًا - حسب بعض النقاد - ثلاث أو أربع صفحات، ولا من ناحية طبيعة الكتابة القصصية التي تميل إلى الغموض والإضمار أكثر مما تميل إلى الوضوح والإظهار.
إن الناظر في الإبداعات القصصية المتميزة، في هذا المجال، يجد أن كثيرًا منها لا يُمكن أن يُقرأ ويُسْتوعَب في وقتٍ قصير جدًا -كما قد يُفهَم من خلال التسمية-؛ لأنها لم تكتَب بطريقة مباشرة يسرد فيها القاص معلوماته، ويسجل أفكاره وخواطره - كما يفعل بعضهم معتقِدين أن نصوصهم هذه تعد قصصًا قصيرة جدًا-، بل إنها غامضة إلى أقصى درجة، أحيانًا، لا تمتع القارئ إلا بعد أن تتعبه وتجهده؛ حيث يجد القارئ نفسه مُرغمًا على استعمالِ عقله، واستحضار معرفته الخلفية؛ من أجل ممارسة التأويل، وفك الرموز، وملء الفراغات، ومشاركة السارد في بناء النص ... ويتطلب تحقيق هذا الأمر قراءات متعددة ومتأنية للنص، مع التأمل والتدبر، فلا مجال للقراءة التصويرية في القصة القصيرة جدًا؛ لأن المعاني لا تُعطَى مجانية، ولا تقدم بصورة مباشرة؛ كما هو الأمر في الرواية الواقعية مثلًا.
وعلى كل حال، ما ينبغي أن تُتخَذ الكتابات الرديئة في هذا المجال ذريعة للطعن في هذا الفن، والانتقاص منه؛ كما يفعل بعض المبدعين والنقاد، ممن لا يستسيغون هذا الفن، ولا يعترفون بمشروعيته وجدواه، عكس ما يذهب إليه البعض الآخر من أن المستقبل له. وبين هؤلاء وأولئك نفر من النقاد والدارسين لا يريدون أن يدلوا بدلوهم في هذا المجال بوضوح تام وبجرأة وشجاعة؛ خوفًا من أن تأتي الأيام القادمة بخلاف ما تشتهي سفن المعجبين والمشجعين.
إن موضوع القصة القصيرة جدًا مازال جديدًا في الساحة الأدبية، يَبحث عن موضع قدم له بين الأجناس الأدبية الأخرى؛ ومن هنا، كان اختياري لهذا البحث في موضوع"القصة القصيرة جدًا"، الذي لم يُشبع، إلى حد الآن، بحثًا وتنظيرًا بالشكل المطلوب؛ كما هو الأمر في الأجناس الأدبية الأخرى. فهذا البحث يُعد محاولة للاقتراب أكثر من هذا الفن لفهم