إن التعاريف المذكورة، في الحقيقة، لا تعدو أن تكون رُؤى وتصورات اجتهادية تركز على جوانب في القصة القصيرة جدًا، وليس ضمنها تعريف نهائي، جامع مانع؛ وذلك نظرًا لـ"عدم اكتمال صورتها لتستويَ على سوقها جنسًا أدبيًا قائم الذات ذا خصوصيات وقوانين مميِّزة، بل إنها ما تزال في طور التكوُّن والتشكل، باحثةً عن موطئ قدم لها داخل السوق الأدبية. كما أن انفتاح هذه القصة الوليدة على أجناس وفنون أدبية أخرى، واستثمارها جملة من مقوماتها، يجعلان - علاوة على الاعتبار المتقدم- تحديدها بتعريف نهائي ضربًا من"المُجَازفة"ليس إلاّ" [1] .
ويمكننا أن نسجل، من خلال هذه التعاريف، جملة من الملاحظات حول مفهوم القصة القصيرة جدًا، ونناقش بعض إشكالياتها وقضاياها فيما يلي.
من خلال التعاريف السابقة، نلاحظ مدى اختلاف الدارسين والنقاد في تجنيس القصة القصيرة جدًا، وهي قضية سال فيها مداد كثير؛ فمنهم من يُصر على أن القصة القصيرة جدًا جنس أدبي؛ مثل جاسم الحسين ويوسف حطيني وجميل حمداوي ... ، ومنهم من يرى بأنها نوع سردي حديث؛ مثل سعاد مسكين وجاسم خلف إلياس وفريد أمعضشو ... ، وبين هؤلاء وأولئك فريق من النقاد والدارسين لم يحددها بالنوع ولا بالجنس الأدبيين؛ مثل عبد الدائم السلامي ومحمد مينو وعبد العاطي الزياتي ...
إلا أن المتتبع لما يُنشر من المقالات، ولما يُطبع من الكتب والمؤلفات، يلاحظ أن أنصار التجنيس يدافعون بشراسة عن تجنيس القصة القصيرة جدًا. يقول الدكتور يوسف حطّيني في
(1) فريد أمعضشو: قضايا القصة القصيرة جدًا (من النقاد إلى نموذج سعاد مسكين) ، مجلة"كتابات معاصرة"، بيروت ع: 85، أيلول 2012 م، ص: 89.