الصفحة 31 من 57

يشعر بذلك ويعمل على نشرها في الآفاق كما فعل هدهد سليمان حين تفقد الطير فقال"مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين" (النمل:2) ، فإذا بالهدهد يقول له"أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين" (النمل:22) ، ولكي ترى كم من المسافات قطع وكم من الجهد بذل، وكم من الوقت اخذ؟ لك أن تعرف أن مملكة سبأ تقع في جنوب الجزيرة باليمن فقطع الهدهد هذه المسافات الشاسعة و الفيافي و القفار وبلغ قائده بما رآه حتى يرسل أتباعه لينشروا دعوة الله.

كان هذا حال هدهد يسعى بدعوته ... !! وكان علي اثر ذلك ايمان مملكة سبأ كلها بالله وحده وهذا التاريخ الذي صنعه الهدهد سجل وحفظ وهانحن نتدارسه ويبقي للاجيال اللاحقة تتعبد به لله تعالي ... !!

وهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها بعدما رأى فيها من دلائل الحق و المنطق ما يتحدث عنه في مقالته لقومه، وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان، تحركت هذه الحقيقة في ضميره فلم يطق عليها سكوتًا، ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله و الظلم من فوقه ومن تحته، ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره وتحرك في شعوره، وسعى به إلى قومه، وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون ويهددون، وجاء من أقصى المدينة يسعي ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكوا أن يصبوه على المرسلين، والظاهر أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان، ولم يكن في عزوة من قومه أو منعة من عشيرته ولكنها العقيدة الحية في ضميره والإخلاص لدعوته الذي دفعه لهذه التضحية فجاء من أقصى المدينة إلى أقصاها"قال: يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون" (يس 2.-21) ، إن الذي يسعى هذا السعي، ويبذل هذا البذل، وهو لا يطلب أجرًا ولا يبتغى مغنما، إنه لصادق في تضحيته مخلص لدعوته يريد لها انتشارًا وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء إن لم يكن يلبى تكليفًا من الله؟ ما الذي يدفعه إلى حمل هذه الدعوة ومواجهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة؟ و التعرض لأذاهم وشرهم واستهزائهم وتنكيلهم، وهو لا يجنى من ذلك كسبًا، ولا يطلب منهم أجرًا، بل بذل جهده وأنفق وقته ليلقى بكلمة الإيمان الواثقة المطمئنة وأشهدهم عليها، وطلب منهم أن يقولوها كما قالها.

إن إخلاص الداعي الذي يبذل الطاقة ويقضى وقته في الدعوة إلى دين الله لينتشر بين الناس جميعًا، ويكون رأيًا عامًا لدعوته لا ينتظر تكليفًا من أحد ولا أمرًا من قيادة، إنما هي تلقائية الحركة بدافع الإخلاص لها .. هذا الرجل رغم تعرضه للايذاء في الدنيا الا ان القران حفظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت