رضي الله عنه: وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب. وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك. وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء. تقرؤه نائمًا ويقظان. وإن الله أمرني أن أحرق قريشًا. فقلت: رب! إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك. واغزهم نغزك. وأنفق فسننفق عليك. وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك من عصاك ... الحديث. وغير ذلك من صفاته العلى، كيف ظهرت آثارها ومقتضياتها في السيرة كلها.
فبذلك يعرف العبد ربه - سبحانه - ويخلص له العبودية، ويحبه حبًا عظيمًا، ويحمده - عز وجل - ويتوكل عليه وحده، ويحسن الظن بربه، ويرضى بقضائه، ويعلم أن قضاء الله كله خير، فله الحمد - سبحانه وتعالى - في الأولى والآخرة، وهو الحميد المجيد.
قال ابن الجوزي - رحمه الله: واعلم أن الحمد ثناء على المحمود، ويشاركه الشكر، إلا أن بينهما فرقًا، وهو: أن الحمد قد يقع ابتداءًا للثناء، والشكر لا يكون إلا في مقابلة النعمة ... وقال ابن قتيبة: الحمد: الثناء على الرجل بما فيه من كرم أو حسب أو شجاعة، وأشباه ذلك. والشكر: الثناء عليه بمعروف أولاكه، وقد يوضع الحمد موضع الشكر. فيقال: حمدته على معروفه عندي، كما يقال: شكرت له على شجاعته. [1] وقال ابن جزي - رحمه الله: الحمد أعم من الشكر؛ لأن الشكر لا يكون إلا جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداءًا، كما أن الشكر قد يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب والجوارح. فإذا فهمت عموم الحمد علمت أن قولك: (الحمد لله) يقتضي الثناء عليه لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى
(1) زاد المسير (1/ 11) بتصرف يسير.