قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).
قال الطاهر بن عاشور - رحمه الله: وابتدئ بالتلاوة لأن أول تبليغ الدعوة بإبلاغ الوحي، وثنى بالتزكية لأن ابتداء الدعوة بالتطهير من الرجس المعنوي وهو الشرك، وما يتعلق به من مساوئ الأعمال والطباع. وعقب بذكر تعليمهم الكتاب لأن الكتاب بعد إبلاغه إليهم تُبين لهم مقاصده ومعانيه، كما قال - تعالى: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه) ، وقال: (لتبين للناس ما نُزّل إليهم) ، وتعليم الحكمة هو غاية ذلك كله، لأن من تدبر القرآن وعمل به وفهم خفاياه نال الحكمة. قال - تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به) [1] .
فإذا تبينت مهمة السول - صلى الله عليه وسلم - فتفصيل وبيان كيف قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه المهمة، يعرف من السيرة.
وهذا السبب من أهم أسباب دراسة السيرة، فمعرفة كيف قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا البلاغ والتبيين والتزكيه، تنحل بها كثير من الإشكالات، ككيف ندعوا؟! وبم نبدأ؟! وما هي العلوم التي نبدأ بها؟! أو العبادات التي نبدأ بها؟! وكيف نتعامل مع المخالف؟! وكيف نتعامل مع الانحرافات الطارئة؟! وكيف نستخدم طاقاتنا؟! وأمثال هذه الإشكالات.
ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام بهذه المهمة في كل الظروف التي تمر بها الدعوة الإسلامية، ومع كل أصناف الناس. ثم هو - صلى الله عليه وسلم - لم يتخرج عليه نموذج واحد متكرر من المؤمنين، نعم هناك قدر مشترك كبير بين المؤمنين المتبعين لرسول الله - صلى الله عليه
(1) التحرير والتنوير (28/ 209 - 210)