الصفحة 12 من 62

وعليه فكانت رحلته رحمه الله مركزة بين قرى الري والعراق ومصر، وبها اجتمع بأكابر العلماء والحفاظ فأسند عنهم، وأخذ من علومهم ما تأهل به لمكانته التي وصل إليها.

وبالمناسبة أشيد بأهمية الرحلة لله بسبب طلب العلم، هذه السنة التي لابد أن يذيعها وينشرها أهل العلم وطلابه. ففيها همة وتجرد للعلم، واجتماع بأكابر أهله، ولو لم يكن فيها إلا إتعاب النفس بسبب ذلك، ونيل أجره من الله تعالى لكفى حافزًا؛ فإنه جهاد وصبر على طاعة الله.

ومن العجائب في رحلة ابن جرير ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده: عن أبي العباس البكري قال: جمعت الرحلة بين ابن جرير وابن خزيمة ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن هارون الروياني بمصر، فأرملوا ولم يبق عندهم ما يقوتهم، وأضر بهم الجوع، فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه، فاتفق رأيهم على أن يستهموا ويضربوا القرعة، فمن خرجت عليه سأل لأصحابه الطعام (أي شحذ واستعطى) ، فخرجت القرعة على ابن خزيمة، فقال لأصحابه: أمهلوني حتى أصلي ركعتين صلاة الخيرة (أي الاستخارة) . قال: فاندفع في الصلاة، فإذا هم بالشموع، وخصي من قبل الوالي يدق الباب، ففتحوا.

فقال: أيكم محمد بن نصر؟ فقيل له: هو ذا، فأخرج صرة فيها خمسون دينارًا فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن جرير؟ فأعطاه خمسين دينارًا، وكذلك الروياني وابن خزيمة.

ثم قال: إن الأمير كان قائلًا -نائمًا في القائلة وهي نصف النهار- بالأمس فرأى في المنام أن المحامد جياع قد طووا كشحهم، فأنفذ إليكم هذه الصرر، وأقسم عليكم إذا نفدت فابعثوا إلي أحدكم.

وهؤلاء كلهم اسمهم محمد، وهم أئمة زمانهم. فهذا ابن جرير صاحبنا، وأبو بكر محمد بن خزيمة صاحب الصحيح، والتوحيد، ومحمد بن نصر صاحب تعظيم قدر الصلاة، والمسند، وغيرهما، ومحمد بن هارون الروياني صاحب المسند العالي سندًا ورتبة.

وفي الجملة: فإنه من المشهور على مر التاريخ أن أهل العلم فقراء مساكين، ومتقللين من الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت