الصفحة 19 من 62

الإمام محمد بن جرير الطبري من كبار أئمة أهل السنة والجماعة المتبعين منهج وعقيدة السلف الصالح في أنواع توحيد الله سبحانه وبقية أصول الإيمان وما يتبعه من مسائله والصحابة والإمامة.

فهو في الكل على مذهب أهل الحديث، مذهب الطائفة الناجية والفرقة المنصورة، لم يعرف عنه غير هذا، وتفسيره مليء بكل ما ذكرت؛ بل هو مصدر تفسير أهل السنة والجماعة.

وقد لقي ابن جرير بعض التهم في مسألة أو مسألتين يأتي الكلام عليها، وقد اشتهرت عقيدته التي كتبها في مقامه الأخير في بغداد - وهي من آخر ما كتبه - وقد تلقاها العلماء والأئمة بعده بالقبول والاستحسان [1] ، وتسمى هذه العقيدة (صريح السنة) أو (شرح السنة) أو (عقيدة ابن جرير) ، ويأتي الكلام عليها في آثاره ومؤلفاته.

وقد أشار إليها الشيخ ابن تيمية في قاعدة الاسم والمسمى من مجموع الفتاوى (6/ 187) فقال:

( ... وكما ذكره أبو جعفر الطبري في الجزء الذي سماه(صريح السنة) ؛ ذكر مذهب أهل السنة المشهور في القرآن والرؤية والإيمان والقدر والصحابة وغير ذلك ... ).

ومجمل عقيدته رواها اللالكائي في شرح (أصول السنة) (2/ 183) قال: (أخبرنا عبيد الله بن محمد بن أحمد - قراءة عليه - قال: أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل قال: قال أبو جعفر محمد ابن جرير:

فأول ما نبدأ فيه القول من ذلك كلام الله عز وجل وتنزيله، إذ كان من معاني توحيده؛ فالصواب من القول في ذلك عندنا: أنه كلام الله عز وجل غير مخلوق، كيف كتب، وكيف تلي، وفي أي موضع قرئ، في السماء وجد أو في الأرض، حيث حفظ في اللوح المحفوظ كان مكتوبًا، أو في ألواح صبيان الكتاتيب مرسومًا، في حجر نقش، أو في ورق خط، في القلب حفظ أو باللسان لفظ.

فمن قال غير ذلك، أو ادعى أن قرآنًا في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلو بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد غير ذلك بقلبه، أو أضمر في نفسه، أو قال بلسانه وأنيابه، فهو بالله كافر حلال الدم، بريء من الله والله بريء منه لقول الله جل ثناؤه: (بل هو قرآن مجيد(21) في لوح محفوظ (، وقال وقوله الحق: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ (. فأخبرنا جل ثناؤه، أنه في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنه من لسان محمد صلى الله عليه وسلم مسموع، وهو قرآن واحد من محمد مسموع، وفي اللوح المحفوظ مكتوب، وكذلك في الصدور محفوظ، وبألسن الشيوخ والشبان متلو.

فمن روى عنا، أو حكى عنا، أو تقول علينا، أو ادعى علينا أنا قلنا غير ذلك، فعليه لعنة الله وغضبه، ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، وهتك ستره، وفضحه على رؤوس الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة، ولهم سوء الدار.

(1) من هؤلاء اللالكائي في شرح أصول السنة، وقوام السنة في الحجة في بيان المحجة، وابن تيمية في الحموية الكبرى، وأبو يعلى في إبطال التأويلات، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية، والذهبي في العلو للعلي الغفار، وغيرهم ممن لم يحضرني ذكرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت