فانظر إلى شعره فهو خال من التكلف، يجري كأنه سليقة له، متضمنًا المقابلة والأمثال والحكم.
وقد ذكره القفطي في كتاب (المحمدين من الشعراء) ، وقال: (كان له - رحمه الله - شعر فوق شعر العلماء) .
ومن شواهد ملكته البلاغية والشعرية ما اختاره في تفسيره وتاريخه من عيون الشعر، ومنخول الخطب والنثر، وبليغ العبارات؛ ما يشهد له بطول الباع، والتمكن في هذا الفن.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم) . ومكارم الأخلاق ومعاليها في الأغلب الكثير طبع من الله لعبده عليه، كما في حديث أشج عبد قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إن فيك خلتين يحبهما الله: الحلم والأناة) . فقال: أخلقين تخلقت بهما، أم خلقين جبلت عليهما؟ فقال: (بل خلقين جبلت عليهما) . فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله. أخرجه أبو داود، وغيره، ومع هذا فقد جاء في الشريعة الندب إلى حسن الخلق والحث عليه.
وابن جرير الطبري - رحمه الله - حياته العلمية أفرزت ما تمعدن به من الأخلاق الفاضلة، ومما أظهر هذا تلاميذه الذي كتبوا لنا ترجمته فوصفوا شيئًا من هذا في مروءته وكرمه وظرفه وتواضعه وتفاؤله رحمة الله عليه.
وقبل هذا كان الإمام أبو جعفر أبيًّا عزيز النفس - مع فقره وقلة ذات يده - فربما باع ثوبه أو قميصه ليتقوت به ولا يسأل الناس شيئًا. كما كان يرفض جوائز الأمراء وهدايا السلطان ومنح العمال مهما كان سببه وموحيه، وإن شارط أحدًا على شيء مقابل عمل أو وظيفة فإنه لا يأخذ إلا ما شارطه عليه، مع سماحة نفس الباذل بالزيادة، وهذا في الحقيقة رفع قدره، وأعظم منزلته عند أهل الولايات؛ بل عند الناس جميعًا؛ لأنه زهد فيما عندهم فأحبوه كما قال صلى الله عليه وآله وسلم.
وإن عزة النفس للعالم وعدم اغتراره بالمال من الناس صغيرهم وكبيرهم خلق عظيم لا يعكس ذاته فحسب؛ بل وإيمانه وقوة يقينه، ويرفع شأن علمه ومنزلته عند الناس، وكم في الحقيقة امتحن أهل العلم بالمال فافتتنوا به إلا من رحم ربي وقليل ما هم.
ومن عزة نفسه أن أبا الهيجاء بن حمدان وجه إليه ثلاثة آلاف دينار، فلما نظر إليها عجب منها، ثم قال: لا أقبل ما لا أقدر على المكافأة عنه ومن أين لي ما أكافئ به عن هذا؟! فأجيب: بأنه ليس لهذا مكافأة، إنما أراد منها التقرب إلى الله عز وجل، لكنه - رحمه الله - أبى ورفض قبولها.