الصفحة 37 من 62

*أما مروءته وكرمه؛ فإنه لا ينقل للمال اهتمامًا متى جاء أو ذهب وكان إذا أهدي إليه شيء قبله ويكافئ صاحبه بأضعافه، فقد أهدى إليه جاره أبو المحسن المحرر فرخين، فأهدى إليه الطبري ثوبًا حسنًا.

ومرة أهدى إليه أبو علي بن عبيد الله الوزير رمانًا فقبله شاكرًا وفرقه بين جيرانه.

ولأنه لا يقبل هدية إلا ويكافئ بمثلها أو أضعافها، فقد توقف الوزير من إهدائه؛ لأنه جاءته نفقة المزرعة في طبرستان ومعها حيوان بري ثمين الفراء يسمى سمور يشبه القط - ولعله القط البري - فأرسله إلى الوزير مكافأة له على هديته، ولما قوم هذا السمور صار بأربعين دينارًا لم يجد الوزير بدًا من قبوله، وإيقاف بعثه بالهدايا إليه.

وهذا من تمام المروءة وسدد الخلق؛ لأن المهدي صارت له يد عليه، فمن المعروف حسن المقابلة والمجازاة بالمثل: (من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) يقوله صلى الله عليه وآله وسلم.

ومما سبق أن تلميذه أبو الفرج بن أبي العباس الأصبهاني كان يختلف إليه، ويقرأ عليه العلم، فطلب منه الطبري حصيرًا لغرفة عنده صغيرة، فصنع أبو الفرج الحصير وجاءه به يريده هدية لشيخه متواضعة منه، ولكن أبا جعفر أبي من أخذه إلا بأربعة دنانير.

*ودعابته وظرافته؛ فشيء لا يقل عن سابقه، وله فيها طرائف:

فقد كان عنده رجل من أصحابه يكثر التقعر ولي لسانه بالإعراب، ويتكاثر فيه إلى درجة بغيضة، فأخذ في ذلك التقعر يومًا عنده، فقال له الطبري: أنت بغيض، فسمي (بغيض الطبري) بعدها.

ورأى القاضي ابن كامل هذا الرجل يومًا بسوق بغداد بمكان يجتمع فيه الوراقون، فوقف عليهم وسلم ثم اعتذر من وقوفه ينتظر الوراق بقوله: (لولا من ما كنت بالذي) يريد لولا من ما هنا ما كنت لأقف على دكانك، فلا غرو من تسميته بعد ببغيض الطبري.

ومن نحو هذا أن أبا الفرج بن أبي العباس الثَّلاج - تلميذ أبي جعفر - كان يتعسف في كلامه ويتكلف، قال في مجلس شيخه: أنه أكل الطباهقة، فقال له ابن جرير: وما الطباهقة؟ قال: هي الطباهجة - وهي طعام من اللحم والبصل والبيض، والكلمة فارسية - ألا ترى أن العرب تقلب الجيم قافًا؟! فأجابه الطبري: فأنت إذًا أبو الفرج بن الثلاق. فإن دعابة الشيخ شيء محبب جدًا لطلابه، وداعي للقبول منه والأخذ عنه والالتفاف حوله، وهو أمر مجرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت