الصفحة 22 من 62

درس الإمام ابن جرير الفقه - وهو علم فروع الشرع وتفاصيل الأحكام - على أئمة المذاهب في زمنه، حيث تلقاه عن أصحاب الإمام الشافعي في بغداد ومصر كالحسن بن محمد الزعفراني، وأبي سعيد الإصطخري في بغداد، والربيع بن سليمان الأزدي، وإسماعيل بن يحيى المزني.

ولذا أظهر رحمه الله في أول حياته التمذهب بالمذهب الشافعي مدة من الزمن، مع دراسته للمذهب المالكي في مصر على أبناء عبد الله بن عبد الحكم تلاميذ ابن وهب صاحب مالك. وتلقى فقه الظاهرية على يد مؤسس المذهب الظاهري: داود بن علي الأصبهاني ببغداد، وقبل ذلك تلقى مبادئ الفقه الحنفي على أبي مقاتل بالري [1] .

لكنه - رحمه الله - مع ما أوتي من استعداد وتحصيل وبلوغ في العلم، لم يستمر طويلًا في اتباع مذهب الشافعي بل ذهب إلى الاجتهاد، فكان من الأئمة المجتهدين اجتهادًا مطلقًا، ولم يلتزم مذهبا معينًا.

قال الفرغاني أبو محمد: حدثني هارون بن عبد العزيز، قال لي أبو جعفر الطبري: أظهرت مذهب الشافعي، واقتديت به ببغداد عشر سنين، وتلقاه مني ابن بشار الأول أستاذ ابن سريح. قال هارون: فلما اتسع علمه أداه اجتهاده ومحبته إلى ما اختاره في كتبه، وكان مذهبه هذا المختار لديه عند تلميذه ابن طرار المعافى بن زكريا بعد ابن جرير.

ولذا نلاحظ وجود ترجمة ابن جرير في طبقات الشافعية؛ لأنه كان في مبتدئه على مذهب الإمام الشافعي، ثم انتقل منه إلى الاجتهاد المطلق -على اصطلاح الأصوليين- بعد اتساع العلم والتجرد لمدلول النصوص فلم يقلد أحدًا.

وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يعده في عداد المجتهدين الكبار من أئمة المسلمين.

(1) ومما يتبادر هنا إلى الذهن: لما لم يدرس أبن جرير المذهب الحنبلي؟ وجوابه: أن ابن جرير كان معاصرًا لأحمد بن حنبل ولم يدركه مشاهدة، بل أدرك أبناءه وتلاميذه، ولم يكن حينئذ المذهب الحنبلي الفقهي قد قعد ودون - كما عليه فيما بعد القرن الرابع -ـ بل كان مذهب أحمد المشهور عند تلاميذه هو مذهب كبار المحدثين الاستنباطي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن ابن جرير كان يميل إلى أن الإمام أحمد كان محدثًا ولم يكن فقيهًا، فأهمل ذكر مذهبه في (اختلاف الفقهاء) ، مع ذكر مذاهب المجتهدين كأبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي والليث بن سعد مما أشغب به عليه من جهته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت