جرى أمر الله سبحانه وتعالى بوجوب ابتلاء عباده وامتحانهم ليمحص المؤمنين الصابرين، ويكفِّر عنهم سيئاتهم ويغفر ذنوبهم، كما قال تعالى في أول سورة العنكبوت: (الم(1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (. وفي هذا جاء الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:(أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فان كان في دينه صلابة زيد له في البلاء) .
ومن هذه القاعدة فإن أهل الإيمان لا بد لهم من الابتلاء والامتحان، وإن تعددت صوره وأحواله؛ فهذا بالسجن وهذا بالتعذيب والحجر وأخذ المال والقتل والضرب وأنواع الهموم والمصائب.
وكان للعلماء الصالحين المصلحين نصيب من هذا؛ لعظم إيمانهم وصلابته، والذي يطرد معه شدة المحن وقوتها، فخير عباد الله صلى الله عليه وآله وسلم ناله من ذلك البلاء ما هو معروف، فأمره الله بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل قبله، وهكذا من بعده من صحابته والتابعين، حتى كان عصر ابن جرير، فكان من أميز ما فيه ابتلاء العلماء بالفتنة بخلق القرآن والقول به، وما نال العلماء والناس فيه من المحنة والفتنة، وكيف ثبت فيها أولياء الله، والله سلم ابن جرير من هذه الفتنة.
وابن جرير الطبري -رحمه الله- نالته المحنة كإخوانه من العلماء قبله وبعده، وكان أشد ما امتحن به الطبري هو رميه بالرفض والتشيع، حتى شاع ذلك عند بعض العلماء عنه، منهم الحافظ ابن حجر في (( لسان الميزان ) )حيث قال: (( ثقة صادق فيه تشيع يسير وموالاة لا تضر ) ). وقال ياقوت الحموي: إنه كان يهتم بالتشيع، لذلك قيل إنه دفن ليلًا خوفًا من العامة. بل ذكر الذهبي في (( الميزان ) )والحافظ في لسانه: أن الحافظ أحمد بن علي السليماني أقذع فيه فقال: كان يضع للروافض؛ كذا قال السليماني [1] .
(1) هو الإمام الحافظ المعمر أحمد بن علي بن عمر السليماني البيكندي البخاري (311 - 404 هـ) قال عنه الذهبي في السير: راتب السليماني كتابًا فيه حط على كبار فلا يسمع منه ما شذ فيه، النبلاء (17/ 200) ، والأنساب (7/ 122) ، وتذكرة الحفاظ (3/ 1036) ، وطبقات الحفاظ (48) .