الصفحة 39 من 62

ومع هذا كان لا يباهي بحفظه وعلومه وذكائه وفطنته، ولم يكن يفاخر في نقاشه ومناظرته؛ بل يتناسى ما حدث، ويؤثر ألا يذكره، فلينتبه لهذا طلاب العلم في معاهدهم مع شيوخهم، وفي مساجدهم.

تناظر الطبري مرة مع شيخه إسماعيل المزني بمصر في مسائل الفقه والإجماع وظهرت حجة ابن جرير، فسأله عنها تلميذه ابن كامل القاضي فلم يذكرها له؛ ويبرر ذلك ابن كامل بأنه كان أفضل من إن يرفع نفسه، وأن يذكرها بانتصاره على خصمه، فضلًا عن شيخه. وهو بعد المناظرة كان يكثر من الثناء على شيخه المزني ويطريه، ويمدح تدينه وعلمه وفضله.

ونادرة أخرى مع شيخه داود بن علي الظاهري، حيث جرت بينهما مسألة تفوق فيها التلميذ الطبري على شيخه بعد النقاش، فآلم ذلك أصحاب داود، وأغلظ أحدهم على ابن جرير، فقام من المجلس، فألف الرد على داود بكتابه المسمى (الرد على ذي الأسفار) ويريد به أن داود يعتمد على الكتب دون النظر والتفكير، ثم بدا له أن يخرج من الكتاب ما لا يتناسب، فلم يزل يخرج منه شيئًا بعد شيء حتى أخرج منه مائة ورقة، ثم كف بعد موت داود فلم يمل من الكتاب شيئًا.

وذكر أبو بكر بن داود بن علي الظاهري قال: كان في نفسي مما تكلم ابن جرير على أبي، فدخلت يومًا على ابن حامد وعنده أبو جعفر الطبري، فقال ابن حامد: هذا فلان وعرفه بي، فلما رآني أبو جعفر وعرف مكاني، رحب بي، وأخذ يثني على أبي، ويمدحه ويصفه ويصفني بما أزال ما في نفسي من كلامه. فهذا الموقف من أبي جعفر -رحمه الله- أذهب غيظ قلب جليسه؛ بل وأودعه محبته فاستبدل البغض إعجابًا وودًّا.

*وكان من صفاته الخلقية ومكارم نفسيه: الفأل الحسن، والتفاؤل به، فهي صفة من صفات النفس الخفيفة السمحة الكاملة وتدل على الطبع المعتدل والمزاج السوي.

والتفاؤل من مندوحات الشرع، فكان نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعجبه الفأل الحسن، والكلمة الطيبة.

قال الحوفي: وقد كان من تفاؤل ابن جرير وقناعته بما يرسل إليه من نصيبه في ضيعته بطبرستان، وشغفه بالعلم؛ وانقطاعه له كان هذا هو السبب في أنه لم يسخط من الدنيا حظه، ولم ينقم على أهل زمانه، ولم يتبرم بالبحث الذي وهب له نفسه.

قال تلميذه ابن كامل: دخلت على الطبري وهو مريض جدًا ومعي ابني فقال لي: هذا ابنك؟ قلت: نعم، قال: ما اسمه؟ قلت: عبد الغني، قال: أغناه الله، وبأي شيء كنيته؟ قلت: بأبي رفاعة، قال: رفعه الله. ثم قال: هل لك غيره؟ قلت: نعم، أصغر منه، فسأل عن اسمه فقلت: عبد الوهاب أبو يعلى، قال: أعلاه الله، لقد اخترت الكنى والأسماء. والفأل الحسن مما تتجه إليه النفس وترتاح إليه خواطر القلوب، إما ظاهرًا على قسمات الوجه وفلتات اللسان، وإما باطنًا في النفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت