الصفحة 11 من 62

وهذا أمر لا يستطيعه كل أحد إلا النوابغ من الطلاب، وهو مشاهد في كل زمان في هؤلاء خاصة، لا كما يظنه بعضهم استغناء عن الشيوخ اكتفاء بذكائهم، فإن من كان إمامه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه، وهذا ابن جرير وغيره -ممن بلغوا من الذكاء والنبوغ مبلغًا قلَّ أن يوصل إليه- كان شيوخهم بالكثرة بما يصعب حصرهم والإحاطة بهم.

وهو نموذج لطلاب العلم في زمننا وما بعده للإفادة من هذا المنهج في طلب العلم وتحصيله، والذي عزف عنه كثير من المتعلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهي سنة من أحياها كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا.

لما حصل مبادئ العلوم في بلده وسمع من شيوخها، همت نفسه بالاستزادة والرحلة لملاقاة الشيوخ والسماع منهم، فقد كانت الرحلة في طلب العلم ولقيا العلماء والسماع والرواية عن الأكابر ميزة علماء ذلك العهد، فلا تجد عالمًا بقي في بلده مكتفيًا بما سمعه من علمائها في الغالب الأعم. خصوصًا والعصر لم يزل عصر رواية وسماع وتحديث، كما أن الأخذ عن العلماء -غير مروياتهم- سبب مهم يسعى إليه طلاب العلم في ذلك الوقت من فقههم وأدبهم وسمتهم وعبادتهم.

وإمامنا ابن جرير ممن سار على هذه الجادة، فرحل إلى بلاد الري ثم يمم وجهه شطر العراق لبغداد ممنيًّا نفسه لقيا الإمام أحمد بن حنبل، ولكنه قبل وصوله إليها بقليل بلغه نبأ وفاته، فواصل عزمه في الرحلة ولقيا بقية حفاظ العلماء في بغداد والبصرة والكوفة، فأدرك فيها محمد بن بشار المعروف ببندار، وإسماعيل بن محمد السدي، وهناد بن السري، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني، وأحمد بن منيع، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن العلاء الهمداني أبا كريب، وفي الفقه الحسن بن محمد بن الزعفراني.

ثم يمم نحو الشام فلقي في بيروت الإمام المقرئ العباس بن الوليد البيروتي، فأخذ عنه القراءة برواية الشاميين.

ثم توجه إلى مصر في سنة 253 هـ، ودخل الفسطاط ثم رجع إلى الشام مرة أخرى، عاد بعدها إلى مصر سنة 256، فدخل القاهرة، وأخذ الفقه الشافعي عن الربيع بن سليمان المرادي، وإسماعيل بن إبراهيم المزني، ولقي فيها محمد بن عبد الحكم المؤرخ المشهور، وأخذ عن أصحاب عبد الله بن وهب القرشي الفهري تلميذ مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ولقي يونس بن عبد الأعلى الصدفي، وابن سراج الأديب، ولقي بها جماعة غيرهم.

ثم رجع بعدها إلى بغداد، ثم بلاده طبرستان؛ ليعود بعد زيارته الأولى لبلده إلى بغداد مرة أخرى، ثم رجع إلى بلده للمرة الثانية.

حتى رجع إلى بغداد فاستقر بها من سنة 290 هـ وعمره ست وستون سنة إلى أن توفاه ربه في سنة 310 هـ.

وكان هروبه من بلده في المرة الأخيرة بسبب تأليفه: فضائل الشيخين، وسيأتي في مؤلفاته.

هذا ... ولم أر في رحلاته سفره إلى الحرمين الشريفين لطلب العلم، ولكنه سافر للحج، ثم رجع ولم يمكث فيهما للتحصيل. كما ذكره في شرح حديث الهميان وسيأتي في مؤلفاته برقم 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت