عاشر الإمام أبو جعفر بن جرير في القرن الثالث الهجري، وهو أزهى العصور العلمية الإسلامية اهتمامًا بتدوين العلم ونشره، والإقبال الكبير عليه من المسلمين. مع سبق القرن الأول والثاني بميزة أهله وصدقهم في إيمانهم، وظهور السنة فيهم وخفاء ضدها؛ فهم الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية في حديث عمران بن الحصين في الصحيحين:"خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ..."الحديث.
فمما تميز به هذا العصر التدوين والتأليف والتصنيف في العلوم الشرعية والعربية والمادية.
فمن ذلك البدء بتدوين التفاسير المسندة، وكتب الحديث النبوي من الصحاح والمسانيد والمستخرجات والأجزاء، وأهمها الكتب الستة الأمهات، والمسند للإمام أحمد.
وصاحب هذا التدوين توسع في السماع من الأئمة لتصانيفهم، فقد حرز الذين سمعوا الصحيح الجامع للإمام البخاري (المتوفى 256) بنحو من تسعين ألفًا، من آخرهم راوية الصحيح: محمد بن يوسف الفربري (ت 320) ، وقد سمعه مرتين في سنة 248، 252 هـ.
ومن الدلالة على الازدهار العلمي التوسع في إنشاء المدارس والمكتبات العلمية، حيث تنافس في إنشائها وإيقاف الأوقاف عليها الخلفاء والأمراء والوزراء والتجار، لا تكاد تخلو قرية فضلًا عن مدينة من مدرسة ومكتبة.
وفيه قامت سوق الوراقين والنساخ والتفنن بالكتاب والخطوط، ناهيك عن دور حلق العلم، ومنشؤها الأول: المساجد: بيوت الله، فهي مبعث العلم، ومهده الذي منه شع، ففي هذا القرن بالذات ازدحمت المساجد والجوامع بالعلماء، خصوصًا أهل الحديث الذين يملون ويسمعون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رواية ودراية حتى سمعنا العجب من كثرة الطلاب، والذين يعدون أحيانًا بعشرات الآلاف في المجلس الواحد.
وكان لبلاد المترجم له نصيب من ذلك في همذان وأصبهان ودينور ومرو والري وطبرستان وجرجان ...
هذا وتركزت النهضة العلمية في العراق ببغداد والبصرة والكوفة، وفي الشام في دمشق وحلب وبلاد فلسطين، وفي مصر بالقاهرة، وفي الأندلس، وفي بلاد الحرمين، وصنعاء باليمن.
وكان من أبرز العلماء الذين اشتهروا في هذه الفترة العلمية:
1.الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة ببغداد (241 هـ) .
2.الإمام أبو عبد الله البخاري (256 هـ) .
3.الإمام مسلم بن الحجاج القشيري (261 هـ) .
4.الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث (275 هـ) .
5.الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (303 هـ) .
6.الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (297 هـ) .
7.الإمام أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي صاحب السنن (255 هـ) .