الصفحة 17 من 62

إن الصفات الخلقية في الواقع لا يتوجه بها أو منها إلى مدح المخلوق والثناء عليه بها إلا إظهار لمدح خالقه وموجده، الذي خلقه على هذه الصورة، وأبدعه عليها، وهو وغيره من صنع الله الذي أتقن كل شيء.

ويذكر -بالمناسبة- أن الإمام عبد العزيز بن يحيى الكناني (240) صاحب (الحيدة والاعتذار) في مناظرة المريسي والمعتزلة بحضرة المأمون، وكان دميم الخلق والصورة، فلما حضر مجلس المأمون لعقد المناظرة أول مرة سخر من خلقه جلساؤه من أهل الاعتزال، وهو ساكت ثم باسطه المأمون وطلب منه مناظرة خصومه، فقال قبل البدء بمقصود حضوره، لما قال فيه واصفه: يا أمير المؤمنين، يكفيك من كلام هذا قبح وجهه، لا والله ما رأيت خلق الله قط أقبح منه وجهًا!

ثم ذكر أن المأمون نظر إلى جص قد انتفخ في إيوانه، فقال لأحد جلسائه: أما ترى هذا الذي انتفخ من هذا النقش، وإنه سيقع فبادر إليه، فقال له صاحبه: قطع الله يد صانعه، فإنه قد استحق العقوبة على عمله هذا.

فقال الكناني: يا أمير المؤمنين، قد سمعت بعض من هنا يقول لك: يكفيك من كلامه من قبح وجهه، فما يضرني قبح وجهي مع ما رزقني الله عز وجل من فهم كتابه، والعلم بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم! فتبسم المأمون حتى وضع يده على فيه، ثم قلت: يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، فقد رأيتك تنظر هذا النقش وانتفاخ الجص وتذكره، وسمعت فلانًا يعيب ذلك، ويدعو على صانعه، ولا يعيب الجص ولا يدعو عليه؟!

فقال المأمون: العيب لا يقع على الشيء المصنوع، وإنما يقع على الصانع! قلت: صدقت يا أمير المؤمنين، ولكن هذا يعيب ربي لم خلقني قبيحًا، فازداد تبسم المأمون حتى ظهرت ثناياه [1] .

ولم أقصد من هذه العبرة سوى التأكيد على أنه لا علاقة بين فضل العالم أو نقصه وصفته الخلقية، وما تعرضت لوصف -ما ذكره المترجمون على قلته- من خلق ابن جرير إلا ليتصور في الذهن لا لمدحه به.

فمن ذلك أنهم وصفوه بأنه طويل القامة، نحيف البدن، لونه أسمر، كان واسع العينين كبيرهما، كثير اللحية، إلا أن السواد عليها هو الغالب، ومات ولم يمتلئ رأسه شيبًا، وقد كف بصره في آخر حياته، بل قبل موته بمدة، وبعد موت شيخه داود الظاهري سنة (270 هـ) .

وكان ابن جرير له ذوق في أكله وطعامه، فكان لا يحب التمر ولا العسل [2] ، كما كان طبيبًا يطبب نفسه لا غيره، فيجعل لنفسه الأدوية المتنوعة.

فقد اتفق أنه مرض مرة فأرسل إليه الوزير علي بن عيسى طبيبًا، فسأله عن حاله فعرفه ابن جرير بما يشكو منه وأخبره بما تعاطاه من الأدوية والطعام، وما يعتزم عليه مستقبلًا فقال له الطبيب: ليس عندي شيء فوق ما وصفته لنفسك، والله لو كنت

(1) هذا الخبر مطولًا في مقدمة الحيدة والاعتذار للكناني (ص/ 27 - 31) .

(2) هذان وإن كان ابن جرير لا يحبهما إلا أن فضلهما على الطعام معلوم في الشرع والحس والتجربة، ففي صحيح مسلم من حديث عائشة مرفوعًا: (بيت لا تمر فيه جياع أهله، مرتين) ، وفي الصحيحين قوله عليه الصلاة والسلام: (إن يكن الشفاء ففي ثلاث: لعقة عسل، وشرطة حجام، وكية نار) ، ولكن النفس ربما تكره محبوبًا؛ لأنها تعافه خلقًا أو طعمًا، وربما ضرها ولم ينفعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت