الصفحة 18 من 62

في ملتنا لعددت من الحواريين -لعله يقصد ملة الأطباء، أو هو نصراني- ثم عاد الطبيب إلى الوزير فقص عليه أمر الطبري فأعجبه. وكان أبو جعفر مريضًا بذات الجنب، فكان يعتاده ويتردد عليه وجعه.

ومما ظهر على ابن جرير ذكاؤه المفرط، وهو نعمة من الله على عبده، وفقه الله إلى استغلالها في نفعه الدنيوي والأخروي بتسخيرها في خدمة دينه بالعلم والتعليم.

والذكاء لا شك أنه من أهم مقومات وأسباب التحصيل التام للعلم، كما قال الشافعي رحمه الله:

أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان

ذكاء، وحرص، واجتهاد، وبلغة وصحبة أستاذ، وطول زمان

وابن جرير - رحمه الله - وفق لهذه الأسباب الستة كلها.

ويربط كثير من الباحثين بين الذكاء والحفظ على أن الحفظ لازم للذكاء، وهذا صحيح في الجملة، لكنه لا يلزم من الذكاء الحفظ، ولا من الحفظ الذكاء؛ إذ يوجد حفاظ لكنهم بضد ذلك في الذكاء، وربما يكون ذكيًا لكنه في الحفظ بليدًا. لكنه في الغالب الأعم أن الذكي إذا وظف ذكاءه في حفظه وما ينفعه فإنه ينتفع به.

والإمام ابن جرير ممن تكاملت عنده هاتان الصفتان ومثله ممن بعده شيخ الإسلام ابن تيمية.

ومن شواهد هذا أنه رحمه الله حفظ القرآن وعمره سبع سنين، وأمَّ الناس وعمره ثمان، وكتب الحديث وعمره تسع. وهذا في العرف العام يعد طفلًا صغيرًا، وهو في زمننا هذا لا يخرج من بيته.

ومن قوة حفظه أيضًا قصته وأقرانه مع شيخهم الحافظ أبي كريب الهمداني الكوفي حيث اختبرهم في حفظ ما ألقاه عليهم ولم يجد فيهم من يحفظه إلا الحافظ ابن جرير؛ فكان أن قربه وأدخله داره من بينهم، وكان عمره آنذاك في حدود العشرين سنة.

كذا لما دخل ابن جرير مصر ولقي الشيخ أبا الحسن علي بن سراج المصري لم يجد ابن سراج في مصر من يحفظ شعر الطرماح بن الحكيم (135 هـ) سواه فأملاه الطبري عليه وفسر غريبه.

وهو رحمه الله لم يدخل مصر ويلقى ابن السراج إلا بعد سنة 256 هـ، وكان عمره حينئذ ثنتين وثلاثين سنة.

وذكر عن نفسه أنه طلب من صديقه العروض للخليل بن أحمد الفراهيدي -الإمام المشهور بالعربية وفنونها - قال: فجاء به، فنظرت فيه ليلتي فأمسيت غير عروضي وأصبحت عروضيًا، وذلك لما دخل مصر ومساءلة العلماء كل في فنه الذي يجيده، فكان يجيبهم كلهم حتى جاءه رجل فسأله عن العروض فواعده غدًا ثم أتقنه في ليلة.

وفي هذا يقول تلميذه عبد العزيز بن محمد الطبري - في كتابه الذي جمع فيه أخبار شيخه ونقل منه ياقوت في معجمه: كان أبو جعفر من الفضل والعلم والذكاء والحفظ على ما لا يجهله أحد عرفه؛ لأنه جمع من علوم الإسلام ما لا نعلمه اجتمع لأحد من هذه الأمة، ولا ظهر من كتب المصنفين وانتشر من كتب المؤلفين ما انتشر له.

ومن شواهد فطنته وذكائه - مع ما تقدم - ما روي بالإسناد أن رجلًا تزوج جارية، فأحبها وأبغضته حتى ضجرت منه [1] ! فقال لها: لا تخاطبيني بشيء إلا قلت لك مثله، فكم أحتملك؟ فقالت المرأة في الحال: أنت طالق ثلاثًا. قال: فأبلست! فدللت على محمد بن جرير، فقال لي: أقم معها بعد أن تقول لها: أنت طالق ثلاثًا إن طلقتك. فاستحسن هذا الجواب.

والمقصود من هذا توضيح نماذج من نباهة ابن جرير، وأمثالها مبثوثة في مطولات تراجمه.

(1) ذكر الشيخ صالح العثمان القاضي في فوائده ص 51، أنه أحبها حبًا شديدًا، وأبغضته بغضًا شديدًا، وكانت تواجهه بالشتم والدعاء.

ونقل في الجواب عن الحال قولًا لابن القيم من بدائعه؛ وصفه بأنه أحسن من الوجوه المذكورة، وهو جار على أصول المذهب، وهو تخصيص اللفظ العام بالنية، أي نية المطلق. وراجعه فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت