مضى الكلام في ثناء العلماء البالغ عليه في علمه ودينه وزهده وورعه، ومع هذا فقد كانت له منزلة عظيمة عند أهل الإسلام في وقته وبعده إلى زمننا هذا، ونحن بعد ألف ومائة سنة من وفاته، وهذا لعمر الله من القبول الذي يوضع للعبد في الأرض، ودوام ذكره والترحم عليه. فجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبرائيل: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبرائيل، ثم ينادي أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) ومثله من يبغضه الله.
ولا إخال الإمام ابن جرير إلا من هؤلاء المحبوبين، الذين وضع لهم القبول في الأرض بين خلق الله.
*فهو في علم القرآن؛ الإمام البارع، إذ كان حافظًا مجودًا للقرآن، قارئًا له بالروايات، محسنًا لها؛ حيث أحاط بها، واختار لنفسه منها قراءة، وألف فيها كتابًا حافلًا في ثمان عشرة مجلدًا كبارًا، جمع فيها المشهور والشاذ وعلل وتوجيه القراءات وأسانيدها.
ومع هذا رزق صوتًا نديًا شجيًا في قراءة القرآن، كان شيخ المقرئين ببغداد ابن مجاهد يسعى لسماعه، ويقول: لا أظن أن أحدًا أوتي مثل صوته، أو أن الله خلق بشرًا يحسن هذه القراءة.
وسبق قول الخطيب البغدادي فيه: أنه جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره؛ فكان حافظًا للقرآن، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن.
*وفي التفسير؛ تبوأ الإمام الطبري أعلى مكانة حتى نعت بإمام المفسرين، وأصبح تفسيره أوفر كتب التفسير المطبوعة وأشملها، بل وأضخمها، قال فيه الخطيب: له كتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله.
وهو التفسير الذي قال فيه أبو حامد أحمد الإسفرايني الفقيه: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصِّل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيرًا.
ولما قرأ الإمام أبوبكر بن خزيمة - قرين الطبري - تفسيره كله، قال: إني لا أعلم على أديم الأرض أحدا أعلم منه.
وأنت إذا نظرت في تفسيره وجدت أقوال السلف من الصحابة والتابعين موثقة بالإسناد، وتجد تفسير الآية بنظيراتها من آيات القرآن، وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المسند منه سندًا. كما تجد فيه حكايات الإجماع عن العلماء من أهل عصره ومن سبقوه في الأحكام الفقهية وغيرها، وتفسيره للآيات اعتمادًا على لغة العرب من خلال شعرها ونثرها، مع العناية بالنواحي النحوية وخلاف النحاة في الأعراب خصوصًا أهل الكوفة والبصرة، وهو في المباحث الكلامية والأدلة العقلية صاحب الحجة الباهرة، فهو إذا وجد مناسبة لهذا البحث تطرق إليه، ورد على منتحلي الكلام من بضاعتهم.
فهو في الجملة كتاب حافل لا يستغني عنه طالب علم في فهم كتاب الله سبحانه وتعالى، فلا تعجب من عظم ثناء الأئمة عليه.
بل إن ابن جرير الطبري عرف أكثر ما عرف بهذا الفن - وهو التفسير - فلا تطرأ كلمة: التفسير إلا ويرتفع في الذهن إمامه الطبري وكتابه التفسير، ولا تذكر كلمة الطبري إلا ويقال صاحب التفسير.
وكان قد أملى هذا التفسير في مدة سبع سنين من (283 - 290 هـ) ، وقد استخار قبله في عمله ثلاث سنين.