الصفحة 30 من 62

هذا وقد كان الطبري قد استشار تلاميذه في التفسير، فقال: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا ما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره إلى نحو ثلاثة آلاف ورقة، ولو أملاه كما قدره أولًا لكان تفسيره - والحال هذه - عشرة أضعاف التفسير الموجود في ثلاثمائة جزء.

تلك مكانته العلمية في هذا الفن المهم.

*أما في الحديث؛ فهو المحدث الحافظ الثبت الذي أدرك كبار الحفاظ ذوي الأسانيد العالية، فسمع في أول طلبه من كبار الأئمة، الذين أدركهم قبل وفاتهم كعمران بن موسى الليثي (240 هـ) ، وأحمد بن منيع (244 هـ) ، والوليد بن شجاع (243 هـ) ، وهناد بن السري (243 هـ) ، وطبقتهم، وأكثر عنهم حتى بلغت مسموعاته من الإمام الحافظ محمد بن حميد الرازي (248 هـ) نحو مائة ألف حديث إن لم تزد، ونحوها عن أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني.

وقد مر وصف الخطيب البغدادي - وهو من هو في الحديث، إذ الناس عيال في الحديث عليه - للإمام ابن جرير في هذا الفن وعلومه بما يغني عن تكراره.

وتفسيره رحمه الله على طريقته في تلقي الحديث، وأداؤه أكثره بالرواية بالإسناد، وكذا المطولات من تواليفه، وأبرزها كتابه (تهذيب الآثار) الذي أبهر العلماء تصنيفه ومنواله ونسجه ومثاله، لكنه لم يتمه.

وصفه أبو حامد الفرغاني في ترجمته له: (بأنه ابتدأ تصنيف كتاب(تهذيب الآثار) وهو من عجائب كتبه، ابتدأ بما رواه الصديق - رضي الله عنه - كما صح عنده بسنده، وتكلم على كل حديث بعلله وطرقه وما فيه من الفقه والسنن واختلاف العلماء وحججهم، وما فيه من المعاني والغريب، فتم مسند العشرة، وأهل البيت والموالي، ومن مسند ابن عباس جزء، ومات قبل تمامه).

وهو كتاب على طريقة المسانيد في ترتيبه وعرضه، لكن منهجه يخالفها في التميز والاستطرادات الفقهية والعلل والأحكام ... ولذا قال فيه ياقوت الحموي في معجمه: ( ... وهو كتاب يتعذر على العلماء عمل مثله، ويصعب عليهم تتمته) . ولذا لم يذكر أن أحدًا حاول السير على منواله وإكماله؛ بل قال القفطي: إنه أعيا العلماء إتمامه.

ومدح هذا الكتاب - الدال على علو منزلته في هذا الفن عند أهله - الحافظ ابن كثير في الطبقات، وأثنى عليه جدًا فقال: ( ... وصنف المصنفات النافعة في الأصول والفروع ومن أحسن ذلك(تهذيب الآثار) ولو كمل لما احتيج معه إلى شيء، ولكان فيه الكفاية لكنه لم يتمه).

ولو لم يكن مما يدل على سمو مكانته عند أهل الحديث إلا هذا الكتاب لكفاه فخرًا وشرفًا! كيف وله كتاب (المسند المجرد) انتخب فيه ما رواه عن شيوخه على نحو طريقة المعاجم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت