إنه لما عاش الإمام الطبري في زمن الفتن، وانتشار أهل الأهواء والبدع من الجهمية والمعتزلة والرافضة والخوارج ... لم يبال بهم، فصدع مبينًا الحق، مقتصدًا للرد عليهم ومناظرتهم في كتبه، فالتفسير مليء بالمحاجة لهم، والمخاصمة بطرقهم العقلية، ومسائلهم الكلامية.
وكتابه هذا (التبصير في معالم الدين) [1] تدور قضاياه الأصلية على الرد على المعتزلة خصوصًا، وبقية المبتدعة ضمنًا، وكذا تفسيره الحافل النفيس مليء بالنقض على أهل البدع، وهدم أصولهم وفصولهم.
وبالجملة فقد كان رحمه الله قويًا في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، والشيء من معدنه لا يستغرب، فإذا لم يكن العلماء - الذين امتلأت قلوبهم نورًا ومعرفة بالله وصفاته وحقوقه، ومآلهم وما عند ربهم - يصدعون بالحق ويمثلون ما علموا؛ فمن يكون كذلك؟!
فقد وصفه الذهبي: بأنه كان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل، وحاسد، وملحد، فأهل الدين والعلم فغير منكرين علمه وزهده في الدنيا، ورفضه لها وقناعته - رحمه الله - بما كان يرد عليه من ضيعة خلفها له أبوه بطبرستان يسيرة.
وفي جرأته وعدم مبالاته بابن الكبير والأمير في مجلس العلم ما رواه ابن عساكر بسنده عن تلميذه عثمان الدينوري قال: حضرت مجلس محمد بن جرير وحضر الفضل بن جعفر بن الفرات وهو ابن الوزير، وكان قد سبقه رجل، فقال الطبري للرجل: ألا تقرأ - يعني الدرس - فأشار الرجل إلى ابن الوزير - تقديمًا له على نفسه بالقراءة، وإن كان الطالب سبقه في الحضور، فقال له الطبري: إذا كانت النوبة لك فلا تكترث بدجلة ولا الفرات.
قال الدينوري: وهذه من لطائفه وبلاغته وعدم التفاته لأبناء الدنيا؛ حيث شبه ابن الوزير بالنهر الكبير.
كما كان سريعًا في إنكار المنكر، والتغليظ على صاحبه إن كان من أهل الأهواء، خصوصًا إذا كان المنكر في العقيدة. فقد قال محمد بن علي بن سهل صاحب الطبري: سمعت محمد بن جرير وهو يكلم ابن صالح الأعلم، وجرى ذكر علي - رضي
(1) طبع هذا الكتاب أخيرًا في مجيليد بتحقيقي عن نسخة وحيدة، أصلها بمكتبة دير الاسكوريال بالأندلس، واسمه المعنون به على الخطية: (تبصير أولي النهى ومعالم الهدى) .