الصفحة 45 من 62

أفرع شيخنا أبو جعفر الطبري حياته من المشاغل والملهيات وأقبل مكبًا على العلم بجميعه، طلبًا له أولًا، واستملاءً من الشيوخ ورحلة إليهم، ثم تدريسًا وإملاءً وإقراءً وتعليمًا.

وكان رحمه الله قد جعل من وقته في يومه جزءًا للتصنيف والكتابة هو ما بين صلاتي الظهر والعصر. حتى ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه: «أنه سمع علي بن عبيد الله السمسميّ اللغوي يقول: إن الطبري واظب على الكتابة أربعين سنة، ويكتب في كل يوم أربعين ورقة، وبحسابها يظهر أن مجموع ما كتبه أزيد من خمسمائة وثمانين ألف ورقة» .

ونحو هذا ما أفاده الفرغاني أبو محمد في ترجمته لشيخه في الصلة على تاريخه: إن بعض تلاميذ الطبري قسّموا أوراق مؤلفاته على أيام حياته منذ بلغ الحُلُم إلى أن توفِّي، فخصّ كل يوم منها أربع عشرة ورقة، قال: وهذا شيء لا يتهيأ لمخلوق إلا بحسن عناية الخالق.

وإذا حسبت هذا أيضًا فإنه يبلغ مجموع ما كتب قريبًا من أربعمائة ألف ورقة، أي نحو ثمانمائة مجلد كبير.

وعلى كلا الحالين هذا شيء كثير جدًا لم يوجد عُشْرُه، وإنْ دلَّ على شيء فإنه يدل على سعة علمه وغزارة إنتاجه، خصوصًا إذا علمنا أن تأليفه الكبار كانت إملاءً على تلاميذه.

ولا يُستغرب مثل هذا الكم، فإن الله بارك لأولئك العلماء في أوقاتهم، وأنسأ في أعمارهم؛ لأن هذا من تمام حفظه لدينه بهم، وإقامته الحجة على الناس، ولذا كان علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل، كما قاله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم.

هذا ... وإن أهم كتب ابن جرير الآتي:

1 -تفسيره الكبير المسمّى: «جامع البيان في تفسير القرآن» :

وهو أكبر تفاسير أهل السنة الموجودة، رغب أن يُملي على طلابه فيه ثلاثين ألف ورقة فما قدروا، فلخّصه إلى ثلاثة آلاف ليُسهل حفظه بنظرته، وقال فيه: حدثتني به نفسي وأنا صغير. وقال: استخرت الله تعالى في عمله، وسألته العون فيما نويته ثلاث سنين قبل البدء به فأعنني.

وهذا الكتاب أكمله ابن جرير. وقال فيه الفرغاني: لو ادعى عالم أن يصنف منه عشرة كتب، كل كتاب منها يحتوي على علم مفرد مستقصى لفعل، كعلم النحو والشعر والقراءات والآثار المسندة، والرد على أهل الأهواء في مسائل العقيدة، والفقه، والتاريخ، والبيان. بدأ في إملائه سنة (283 هـ) ببغداد وأتمَّه في سنة (290 هـ) بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت