الصفحة 57 من 62

بعد هذا التطواف الجميل الممتع مع النفحات العبقة من سيرة هذا الإمام العَلَم الكبير الشأن نعود إلى البدء مرة أخرى بالإشارة إلى وفاته بعد عمر طويل في العلم والتعلّم والتعليم: جهاد العلماء والمصلحين على مدى عمر طوله ست وثمانون ربيعًا.

إِذا تمّ أمرٌ بدا نقصه ... ترقب زوالًا إِذا قيل تمّ

وافت المنية إمامنا في سنة (310 هـ) في شهر شوال منها، لكن اختلفوا في اليوم والوقت على ثلاثة أقوال.

وشيّعت جنازته حيث حضرها عدد لا يحصيهم إلا الله، فاجتمع الناس ببغداد لما توفّي، من الأقطار حولها، وصلِّي عليه بداره ودُفن بها، وبقي الناس يترددون على قبره مددًا يصلّون عليه من كثرتهم. وقد قيل لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز؛ لأنه يوم الفقد، وفيه يفقد الناس الصالحين، ويتخلّصون من أضدادهم. والعلماء والصالحون أثرهم في الناس واضح بالدعوة إلى العلم والخير والتدين، وأولئك محدثون في الأمة، مفسدون لعقائد المجتمع وسلوكهم، أهل شر وضلالة.

ذكر تلميذ ابن جرير أحمد بن كامل في ترجمته له: أنه رثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب فرقًا على فقده، وتعبيرًا عن تلك الأحاسيس تجاه هذا العَلَم الشامخ.

وكان أشهر من رثاه محمد بن الحسن بن دريد الأديب واللغوي المشهور (223 - 321 هـ) ، رثاه بقصيدة أوردها مسندة الذهبي في السير ومنها قوله:

لن تستطيع لأمر الله تعقيبًا

فاستنجد الصبر أو فاستشعر الحوبا

وافزع إلى كنف التسليم وارض بما

قضى المهيمن مكروهًا ومحبوبا

ولا تَفَرق أُلاف يفوت بهم

بينٌ يغادر حبل الوصل مقضوبا

لكن فقدان من أضحى بمصرعه

نور الهدى وبهاء العلم مسلوبا

إِن المنية لم تُتلف به رجلًا

بل أتلفت عَلَمًا للدين منصوبا

أهدى الردى للثرى إذا نال مهجته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت