الصفحة 26 من 62

الزهد والورع اختلفت عبارات العلماء في الفرق بينهما، وبيان حدهما، إلا أنه بينهما اشتراك. والورع أخص من الزهد؛ بل يتضمنه.

فالزهد: ترك شهوات الدنيا إيثارًا لنعيم الآخرة. والزاهد: هو الذي ترك ملذات الدنيا بعد أن قدر عليها.

أما حد الورع فهو عزيز جدًا حتى سئل الإمام أحمد: هل للورع حد يعرف؟ فتبسم رحمه الله وقال: لا أعرفه.

وقال تلميذه أبوبكر أحمد المروزي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وذكر أخلاق الورعين فقال: أسأل الله أن لا يمقتنا، أين نحن من هؤلاء؟! يقول هذا الإمام أحمد؛ فأين نحن منه؟ ومما يقوله عن نفسه؟ الله المستعان!

والإمام ابن جرير لا ينزل عن مرتبة أولئك العلماء في هذا، فقد كان عفيفًا زاهدًا ورعًا تاركًا أهل الولايات، كارهًا التزلف للسلاطين والأمراء وقبول هداياهم ومنائحهم، قنوعًا بما يرد عليه من المزرعة التي تاركها له أبوه بطبرستان، ولذا كثيرًا ما يقرأ، ويقال إنه من شعره:

إذا أعسرت لم يعلم شقيقي وأستغني فيستغني صديقي

حيائي حافظ لي ماء وجهي ورفقي في مطالبتي رفيقي

ولو أني سمحت ببذل وجهي لكنت إلى الغنى سهل الطريق

هذه نظرته - رحمه الله - للدنيا، ومضى على هذه النظرة في كل حياته، حتى إنه ربما أبطأت عنه نفقته فيضطر إلى فتق قميصه وبيعه.

وسبقت قصته مع محمد المروزي وابن خزيمة والروياني لما اجتمعوا في الطلب بمصر، وضاقت عليهم النفقة جدًا، حتى طووا أيامًا لا يجدون ما يأكلون، فكانت كرامتهم نفقة الأمير عليهم وهم لم يسألوه، بل رأى منامًا بحال المحامد الأربعة هؤلاء.

ومن شواهد زهده أن الخليفة المكتفي بالله (289 - 295) قال لوزيره الحسن بن عباس: أريد أن أوقف وقفًا تجتمع أقاويل العلماء على صحته ويسلم من الخلاف، قيل له: لا يقدر على ذلك إلا ابن جرير. فأحضر ابن جرير، فأملى عليهم كتابًا لذلك.

فلما تم ذلك الكتاب، أعطى جائزة سنية (ثمينة) فأبى رحمه الله قبولها فأعزم عليه، أنه لا بد من قبول الجائزة أو تقضى لك حاجة. فقال: نعم، الحاجة. أسأل أمير المؤمنين أن يتقدم إلى الشرط أن يمنعوا السؤال من دخول المقصورة يوم الجمعة للاستعطار، فعظم رحمه الله في نفوس الخليفة وأمرائه، وتقدم بذلك عندهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت