الصفحة 27 من 62

فانظر إليه لم يتحر شيئًا لنفسه، وإنما منع المسألة في المسجد يوم الجمعة، فهي مصلحة عامة.

ومن نماذج زهده ما رواه الفرغاني في ذيله على تاريخ الطبري: أن ابن جرير لما دخل بغداد في أول أمره في الطلب، سرقت بضاعته التي يتقوت منها فباع كمي قميصه.

فقال له بعض إخوانه: تنشط لتأديب ولد الوزير أبي الحسن يحيى ابن خاقان؟ قال أبو جعفر: نعم، فمضى ذلك الصديق وسهل هذا الأمر، وأعار ابن جرير ثوبًا، فقربه الوزير ابن خاقان ورفع مجلسه وأجرى عليه عشرة دنانير في الشهر للتأديب.

فقبل أبو جعفر مشترطًا رخصة له في وقت طلبه العلم وللصلاة وللراحة، وسأله أن يسلفه رزق شهر ففعل الوزير.

فلما دخل حجرة التأديب، وخرج إليه ابن الوزير وهو المشهور بعدئذ بأبي يحيى أخذ يعلمه حتى كتب على اللوح، فأخذه خادمه فرحًا وأدخله على أهله وخدمه لتعلمه الكتابة، فلم تبق جارية في القصر إلا أهدت لابن جرير صينية فيها دراهم ودنانير، لكنه - رحمه الله - رد الجميع، وقال: قد شورطت على شيء، فلا آخذ سواه. فعلم بذا الوزير فأدخله عليه واعتذر منه، وعظم في نفسه.

أقول هذا دلالة على عدم مبالاته لهذا الحطام وإن كثر، ولو أخذه لم يلحقه حرج؛ لأنه ليس مقابل تعليمه بل هدية له زيادة على راتبه الذي رتبه مع الوزير واتفق معه عليه، ولكنه شأن الزهد وفراغ القلب من الدنيا.

وثالثة أختم بها الكلام عن زهده: أن الوزير العباس بن الحسين أرسل إلى ابن جرير قائلًا: أحببت أن أنظر في الفقه، وطلب من ابن جرير أن يعمل له مختصرًا فيه. فكتب ابن جرير كتابه (اللطيف من الخفيف في أحكام شرائع الإسلام) وهو مختصر عن كتابه الكبير (لطيف القول) ، فلما تم المختصر أرسله للوزير فأعجبه وأرسل إليه بألف دينار هدية، لكنه - رحمه الله - لم يقبلها، ولما طلب منه أن يأخذها ويتصدق بها على من يرى، قال: لا، هم أعرف بمن يستحق عطاياهم، أو هم يرون أهلها. وهذه شبيهة بما سبقها من طلب الخليفة المكتفي، ويظهر أنها واقعة ثانية لاختلاف السياقين، وربما تكون قصة واحدة لوحدة الموضوع والهدف.

أما روعه - رحمه الله - فشيء ليس بمستغرب على أمثاله، لكنه عزيز في منواله، وأكثر ما يعتري العلماء مما يبين روعهم عزوفهم عن تولي القضاء، وهو ما وقع لشيخنا أبي جعفر الطبري.

وذلك أن الوزير يحيى بن خاقان - في عهد المتوكل وبعده - لما تقدم في وزارته بعث لأبي جعفر بمال كثير فأبى رحمه الله أن يقبله، ثم عرض عليه القضاء فامتنع منه ابن جرير، ولكن أصحابه ومحبيه عاتبوه على امتناعه، وقالوا له: لك في هذا ثواب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت