وتحيي سنة قد اندرست، وطمعوا أن يقبل ولاية المظالم، لكنه - رحمه الله - انتهرهم وقال: قد كنت أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه، فاستحيوا من جوابه.
ومن ورعه إباؤه عن أخذ ما دفعته له الجواري لما أدب ابن الوزير وعلمه الكتابة؛ حيث أساء إليهن عدم أخذه لهداياهن فبلغت الإساءة الوزير فقال له: يا أبا جعفر، سررت أمهات الأولاد في ولدهن فبررنك، فغممتهن بردك الهدية، فأجابه ابن جرير: لا أريد غير ما وافقتني عليه.
كانت هذه القصة وأبو جعفر شابًا لم يصل الثلاثين من عمره، والدنيا حينئذ زهرة في حال مثله.
وقد وصفه تلميذه عبد العزيز بن محمد الطبري: بكونه شديد التوقي والحذر مما ينافي تدينه وورعه، خصوصًا مما يدخل عليه من زهرة الدنيا، وأنه كان على قسط عظيم من النزاهة والبعد عن المشتبهات، واقتصاره الشديد على ما يصله من إرثه بطبرستان، حتى أنه لما دخل مصر وعظم شأنه عند العلماء هناك، ونزل جوار شيخه الربيع بن سليمان الشافعي بأمره له، جاءه أصحاب الربيع فقالوا له: تحتاج إلى قصرية، وزير، وحمارين، وسدة (وهي السرير) .
فأجابهم ابن جرير: أما القصرية فأنا لا ولد لي، وما حللت سراويلي على حرام ولا حلال قط.
وأما الزير فمن الملاهي، وليس هذا من شأني.
وأما الحماران فإن أبي وهب لي بضاعة، وأنا أستعين بها في طلب العلم، فإن صرفتها في ثمن الحمارين، فبأي شيء أطلب العلم؟!
فتبسموا. فقلت: إلى كم يحتاج هذا؟ فقالوا: إلى درهمين وثلثين، فأخذوه ذلك مني، ثم علمت أنها أشياء متفقة.
وجاءوني بإجَّانة وحب للماء (وهما إناء لغسل الثياب، وزير) وأربع خشبات قد شدوا وسطها بشريط (وهي السرير) ، وقالوا: الزير للماء، والقصرية للخبز، والحماران والسدة تنام عليها من البراغيث.
قال: فنفعني ذلك، وكنت لما كثرت البراغيث ودخلت داري نزعت ثيابي وعلقتها على حبل قد شددته، واتزرت وصعدت إلى السدة خوفًا منها.
هذه حال الإمام في داره، وهي غاية الزهد والتواضع وقلة ذات اليد، مع عفافه وإبائه عما عند الناس، ولو كان حقيرًا قليلًا، فما أدري لو دخلها سارق ما يجد فيها ليخرج إلا بحسرة الندامة، وربما التوبة والإنابة؟