الصفحة 23 من 62

إن الميزة الواضحة للعلماء في كل عصر هي التدين، بالتمسك بما علموه من أحكام الشريعة وسلوكها ظاهرًا وباطنًا. ومن هؤلاء: الإمام ابن جرير الطبري - مع ملاحظة النسبة والتناسب بين تدينه وحال عموم أهل عصره، وهم أحسن تدينًا ممن بعدهم - فداوم على التمسك والعبادة حتى في الأوقات الحرجة في المرض، أو الكبر وبلوغ الأجل.

ويروي أبوبكر الدينوري صاحبه: إنه في يوم الاثنين الذي توفي فيه ابن جرير طلب ماء ليتوضأ أو ليجدد وضوءه، فقيل له: تؤخر صلاة الظهر - التي كان يستعد لها - وتجمع بينها وبين العصر؛ لأن الله سبحانه رخص الجمع بين الصلاتين للمريض وأهل الأعذار في حديث ابن عباس وأبي هريرة وغيرهما، لكنه رحمه الله أبى، وصلى الظهر مفردة، والعصر في وقتها، صلاهما أتم صلاة وأحسنها ثم توفي في آخر اليوم.

وابن جرير من العلماء العزاب فلم يتزوج ولم يتسر، وكان من عفافه أنه قال: ما حللت سراويلي في حرام ولا حلال قط.

وكان رحمه الله يؤم الناس في رمضان، وله صوت شجي مجود حسن، كان يسعى إلى سماع قراءته العلماء، قال أبو علي الطوماري: كنت أحمل إلى بغداد في شهر رمضان بين يدي أبي بكر بن مجاهد [1] إلى المسجد لصلاة التراويح، فخرج ليلة من ليالي العشر الأواخر من داره، واجتاز على مسجده فلم يدخله وأنا معه، وسار حتى انتهى إلى آخر سوق العطش فوقف على باب مسجد محمد بن جرير، وابن جرير يقرأ سورة الرحمن، فاستمع قراءته طويلًا ثم انصرف، فقلت له: يا أستاذ، تركت الناس ينتظرونك؛ وجئت تسمع قراءة هذا؟ فقال: يا أبا علي دع هذا عنك، ما ظننت أن الله خلق بشرًا يحسن أن يقرأ هذه القراءة أو كما قال.

فهذا شيخ المقرئين في زمنه ببغداد يثني على قراءة ابن جرير هذا الثناء، ولعمري فإن القراءة إن صدرت من قلب خاشع خاضع منيب كان لها وقع في النفوس وأثر عليها، والواقع يشهد لهذا.

ومما يدل على عبادته ما ذكره مترجموه مما أودعه في كتابه (أدب النفوس الشريفة) من معالم وآثار التدين في التوكل والورع والإخلاص والتواضع ومراعاة النفوس وأحوالها.

وهو مع ما كان فيه من الاشتغال بالتدريس والتأليف والتصنيف والإملاء والإقراء ... كان مع كل هذا لا يدع حزبه من القرآن، بل ذكر أنه يقرأ كل ليلة ربع القرآن فيختم في أربع ليال.

وهذا لا شك أنه من توفيق الله له ومباركته لوقته وعمره، وإلا فما الوقت الذي يسع بعض هذا فضلًا عن كله؟!

وإذا نظرت إلى التقي وجدته رجلًا يصدق قوله بفعال

وإذا تناسبت الرجال فلم أرى نسبًا يقاس بصالح الأعمال

(1) هو الإمام المقرئ المحدث النحوي، بل شيخ المقرئين أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي (245 - 324) ، مؤلف كتاب (السبعة في القراءات) . انظر: السير (15/ 273) ، وتاريخ بغداد (5/ 144) ، ومعرفة القراء (1/ 216) ، ومعجم الأدباء (5/ 65) ، وغاية النهاية (9/ 139) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت