*أما مكانته عند أهل السنة والجماعة من جهة عقيدته، فهذا له فيه القدح المعلى، وكتبه طافحة والحمد لله ببيان عقيدتهم؛ بل كتبه مرجع أهل السنة والجماعة بعده في تقرير عقيدة السلف والدعوة إليها، ولو لم يكن إلا هي كفته. كيف وقد صرح بعقيدته - لما اتهم فيها - في كتابه المسمى (صريح السنة) فأبان عقيدة تلقاها العلماء بعده بالقبول، وزينوا بها تصانيفهم مع عقائد إخوانه كبار العلماء. كما عند اللالكائي في (شرح السنة) وقوام السنة الأصبهاني في كتابه (الحجة) ، وأبي يعلى الحنبلي في (إبطال التأويلات لأخبار الصفات) ، وابن تيمية في (قاعدة الاسم والمسمى) ، وابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية) ، والذهبي في (العلو للعلي الغفار) ، وغيرهم ممن نقل عنها أو عنهم، فضلًا عن إيرادها أو جملًا منها في تراجمه.
وكذا كتابه هذا (التبصير في معالم الدين) شاهد بما شهد به سابقه من ثباته على عقيدة السلف، ودعوته أهل طبرستان إليها، والمنافحة عنها، وذب شبه المبتدعة عليها.
كما أنه - رحمه الله - أوتي معرفة بالطرق الكلامية، وقواعد الفلاسفة، فتجده في التفسير أحيانًا يخوض في بحث مسائل العقيدة على طريقتهم تقريرًا لها عليهم، وإقامة للحجة من مسلكهم، مع قوة الرد ومتانة العبارة. بل نجده من صفاء ذهنه وفرط ذكائه يورد الإيراد ويهدمه بسرعة الجواب وصلابته وشموله.
ومن العجيب أنه سمع كتاب (الفردوس في الحكمة والفلسفة) من علي بن زين الطبري واستملاه في سبعة أجزاء ولم يضره ما فيه كما يذكره تلميذه ابن كامل في ترجمته له، فسبحان الله العظيم.
*وأما منزلته الفقهية؛ فلا تنزل عن مكانته في التفسير وعلوم القرآن والحديث والعقيدة؛ حيث كان - رحمه الله - متبعًا للشافعي، دارسًا لسائر مذاهب الفقهاء المشهور: الحنفية والمالكية والظاهرية إلا أن مستواه العلمي، ومداه في التحصيل لم يرض بالتبعية، طارت همته بما أوتي من أدوات وملكات إلى الاجتهاد مطلقًا حتى وصل إلى مرحلة كبار المجتهدين، فعد في عدادهم.
وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية في مواضع من (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية) يعده من آخر المجتهدين الكبار في الإسلام بدءًا من مجتهدي الصحابة مرورًا بكل عصر بأكابره حتى ينتهي المطاف به وبابن المنذر. وانظره في المنهاج (2/ 472، 107) و (6/ 53) و (7/ 428، 13، 286) ، وغيرها.
وكتبه كلها شاهدة بهذا خصوصًا ما ألفه في الفقه خاصة مثل كتابه اختلاف الفقهاء المسمى (اختلاف علماء الأمصار) ، وكتاب (لطيف القول في أحكام الشرائع) ، وكتاب (بسيط القول) . وسيأتي الكلام عليها وصفًا في تأليفه وآثاره.