*وما كتبه في أصول الفقه وقواعده يتضمنه ذلك، ومبثوث في تفسيره في مظانه. قال الخطيب: (وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حفظت عنه) ، وتعقبه الذهبي بقوله: ( ... إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة وغير ذلك) .
وكان مذهبه الفقهي مذهبًا متبعًا تفقه به كثير من أصحابه ومن جاء بعدهم، حفظه في كتبه الفقهية خاصة كتابه (اللطيف) ، وقد عد ابن النديم له أصحابًا وتلامذة في باب جعله خاصًا بهم في فهرسته، وكان من أشهرهم المعافى بن زكريا ابن طرار (390 هـ) .
* أما شأنه في علم التاريخ والأخبار؛ فكما كان إمامًا للمفسرين بكتابه التفسير، فهو في هذا الفن كان إمامًا وشيخًا للمؤرخين بكتابه التاريخ، المسمى بـ (تاريخ الأمم والملوك) .
وهو كتاب فريد في بابه وعرضه، امتدحه كل من تكلم على مؤلفاته كالخطيب البغدادي والفرغاني وابن خلكان وياقوت الحموي والذهبي وهم أئمة هذا الشأن، واعتمد عليه جماعة من المؤرخين من بعده، ولذا كان إمام المؤرخين، قال فيه أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن المغلس [1] :
(ما عمل أحد في تاريخ الزمان، وحصر الكلام فيه مثل ما عمله الطبري، وإني لأظن أبا جعفر قد نسي مما حفظ إلى أن مات قدر ما حفظه فلان طول عمره، وذكر رجلًا كبيرًا من أهل العلم، وإن كتابه في التاريخ من الأفراد في الدنيا فضلًا ونباهة، وهو يجمع كثيرًا من علوم الدين والدنيا، وهو في خمسة آلاف ورقة) .
وذكر أبو القاسم بن عقيل الوراق: أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة! فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فقال: إنا لله، ماتت الهمم!
وروي مثله في التفسير. ذكره الذهبي بالإسناد في السير.
وكتابه التاريخ هذا على طريقة الإخباريين والنقلة، وقد أبرأ عهدته في مقدمته بقوله معذرًا: (فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا) .
(1) هو الإمام المحدث فقيه العراق عبد الله ابن المحدث أحمد بن محمد بن المغلس البغدادي الظاهري ناشر مذهب الظاهرية، مات سنة 323 هـ وله بضع وستون سنة، له كتاب (أحكام القرآن) و (الموضح) و (المبهج) ، وكتاب (الدافع) في الرد على من خالفه، وكتاب (الطلاق) . أخبار النبلاء (15/ 77) ، وتاريخ بغداد (9/ 385) ، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص 177) ، والعبر للذهبي (2/ 201) ، ومعجم المؤلفين (2/ 227) .