الصفحة 33 من 62

وإن كنا نعتب عليه - رحمه الله - حشده لمرويات أبي مخنف لوط بن يحيى الشيعي وغيره من المتروكين في مسائل حساسة كما جرى بين الصحابة بعد عثمان!

هذا تاريخه على هذه الطريقة، وله تاريخ على طريقة تواريخ المحدثين هو كتاب (المنتخب من ذيل المذيل) أملاه في ألف ورقة، بعد سنة من تاريخ الرسل والأمم، أورد فيه تاريخ من قتل من الصحابة في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن عاشوا بعده، وكذا تابعيهم، ومن روى عنهم طبقة عن طبقة، ووفياتهم إلى أن بلغ شيوخه في عصره. وهو كتاب يناسب علم التاريخ ذي المكانة والجلالة عند المؤرخين، وهو تاريخ حياة الرواة ووفياتهم، والذي به يستقيم معرفة حالهم وقبول أخبارهم وآثارهم.

*والعلوم العربية بأنواعها؛ شعر ونحو وصرف وبلاغة وبيان وعروض لها نصيب من علوم الإمام محمد بن جرير، فله فيها باع طويل مشهود له فيه بالتمكن والحيازة لإمامته.

*ففي الشعر كان حافظًا لكثير من أشعار الجاهلية والمخضرمين وشحن بها تفسيره الذي أملاه، ودخل مصر ولا يحفظ فيها شعر الطرماح بن حكيم سواه حتى سأله علماؤها أن يمليه عليهم ويشرح غريبه ويوضح مبهمه.

ولما حاوره أهل مصر في الفنون، وجاءه من يمتحنه في العروض أرجاه إلى الغد، فأتقن بليلة واحدة العروض للخليل بن أحمد الفراهيدي بعد أن استعاره من صديقه، حتى قال عن نفسه: (أمسيت غير عروضي فأصبحت عروضيًا) .

*وفي علم النحو والإعراب ومذاهب الناس فيه واختلافاتهم كان له السبق على أهل عصره بمن فيهم نحاته الكبار. حتى شهد له شيخه أحمد بن يحيى ثعلب الكوفي (291 هـ) بالسبق على الطلبة بقوله: قرأ عليَّ أبو جعفر الطبري شعر الشعراء قبل أن يكثر الناس عندي بمدة طويلة، وكان الطبري قد دخل الكوفة في أول رحلته في الطلب وهو إذ ذاك صغيرًا.

وأخرى من ثعلب أدل منها على تمكن الطبري من فن العربية ما رواه أبوبكر بن مجاهد قال: إن أبا العباس ثعلب قال له يومًا: من بقي عندكم من النجاة في الجانب الشرقي ببغداد؟ فقلت: ما بقي أحد، مات الشيوخ. فقال: حتى خلا جانبكم؟ قلت: نعم، إلا أن يكون الطبري الفقيه! فقال لي: ابن جرير؟! قلت: نعم. قال: ذاك من حذاق مذهب الكوفيين. قال ابن مجاهد: وهذا كثير من أبي العباس ثعلب؛ لأنه كان شديد النفس، شرس الأخلاق، وكان قليل الشهادة لأحد بالحذق في علمه. يقصد من هذا أنه قلما يعجبه أحد من شدته.

ولا أدل على هذه الشهادة إلا لمن تأمل تفسير ابن جرير وملاحظة التبحر في النحو والإعراب والاختلاف فيه، وتوجيه القراءات على ضوئها، فالكتاب زاخر بهذا وغيره مما يفيد عن إمامته فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت